الشيخ محمد الصادقي الطهراني

255

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الأولى لآدم حيث علّم الأسماء ألفاظا وذوات ثم لم ينبئ الملائكة بالذوات وإنما « بِأَسْماءِ هؤُلاءِ » وإن كانت تكشف أشباحا من هؤلاء الذوات ، ولكنه قليل بجنب ما عرّفه آدم من الذوات ، تدليلا على أن الملائكة ليست بالتي تتمكن أن تعرف أو تعرّف حقائق هذه الذوات ، بيانا لكيانهم بما خلق اللّه : أنه محدود بما حدّد اللّه ، دون هذه الخليفة التي منها آدم ، فليس علمه محدودا لحدّ ، فهم : « ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ » والخليفة : « وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » والثانية أن هؤلاء الذوات هي الأصيلة في هذه الخلافة ، مهما كانت لأشباههم في الصورة الإنسانية تخلّفات وترذّلات من إفساد وسفك دماء ، فان هؤلاء الأشباح لا تشبه أشباهها في المعنى مهما شابهتها في الصور . لذلك « وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها » : أسماء هؤلاء الخلفاء كلها ، وذواتهم بأشباحهم كلهم ، تجنيدا وعرضا لآدم أوّلا لكي يعرف موقعه أنه يحمل في صلبه هذه الأمانات الغالية ، وللملائكة لكي يعلموا : « إِنِّي أَعْلَمُ » من هذه الخليفة « ما لاتَعْلَمُونَ » فهناك البون الشاسع بينكم وبينه لحدّ لا تعرّفون حقائقهم إذ لا تتمكنون ، حيث هم في الذروة العليا ، وما أنتم بها حتى تحيطوها معرفة وعلما ، فإنما أنبئتم بأسمائهم لكي تتعرفوا حسب المستطاع إلى ذواتهم . قدر ما تعلمون : « إِنِّي أَعْلَمُ ما لاتَعْلَمُونَ » ! فالأسماء الذوات هي المعروضة هنا على ملائكة السماوات ، : « ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ » دون « عرضها » حيث العرض للذوات ، ودون « عرفهم الملائكة » حيث العرض لمنظر من الأشباح ، لا حقائقها كلها - لان هؤلاء من غيب السماوات والأرض : « فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » وهم - أو معظمهم - رجالات اللّه : النبيين والمرسلين : حقائق عاقلة محجوبة تحت حجاب الغيب : غيب السماوات والأرض ، كشف اللّه لآدم منها أسماء وذوات ، وأنبأ الملائكة بأسمائها بآدم ، ولكن ترى : إنباء الأسماء فقط دون اي كشف عن حقائقها ؟ إذا فكيف عرفت الملائكة فضلهم ، وعرفت فضل آدم بما علّمهم دونهم ! . فليكن في عرض هؤلاء الذوات على الملائكة ، وإنبائهم بأسمائهم - ليكن في هذا الإنباء