الشيخ محمد الصادقي الطهراني

241

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وبين واقعه : يتوسطها سؤال قارع نفوسهم ، عذابا فوق العذاب ، ثم جواب يلوي أعناقهم ويلدغ أعماقهم : « قالُوا بَلى وَرَبِّنا » ! بكل مذلة وارتياع ، يحلفون بربهم الذي كانوا به يكفرون ، إن عذابه هو الحق الذي كانوا ينكرون ، وهنا لك الجواب مع انتهاء الحوار البوار : أن وقع الحق وبطل ما كنتم تهرئون واليه تهرعون : « فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » . هذه نهاية الحجة الدامغة القارعة على الذين كفروا ، بعرض البراهين كلها ولحد كأنهم يشهدون مشهد العرض يوم العرض ، ومن ثم تصبير للرسول صلى الله عليه وآله وتسكين لخاطره الشريف عما يلقاه من أذيات ، تصبرا في سبيل الدعوة على عزم كما صبر أولوا العزم : « فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاتَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ » ألا يا أيها الرسول ! إنه لطريق شاق مرير ، فيه دماء تسيل من أشلاء تفرش فيه ألوان الأذيات والحرمانات ، وفيه ما لا يتصبر عليه إلا أولوا العزم الراسخ وبعون اللّه « فاصبر » : صبرا يصمدك في وجه الطغيان ، صبرا يقدمك في اجتياز تلك العقبات ، فانظر إلى سيرة أولي العزم من الرسل ماذا تحملوا من المشاق والعقوبات « فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ » : ولقد صبر كما أمر على مكروهها ومحبوبها « 1 » . وترى من هم أولوا العزم من الرسل ؟ من الواضح أنهم أفضلهم قبل أن نعرف معنى عزمهم ، لمكان « من » : فهم بعضهم ، وأن خاتمهم - وهو أفضلهم أجمع - لا يؤمر إلا بتصبر البعض الأفضل ، بل وأفضل منهم ، ولأنه يحمل أفضل الشرائع وأعظمها وأعزمها . ثم العزم هو الثبات والجد والفرض والصبر والحزم : أن سبقوا الأنبياء في إقرارهم باللّه ،

--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 45 - / اخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن عائشة قالت : ظل رسول اللّه ( ص ) صائما ثم طوى ثم ظل صائما ثم طوى ثم ظل صائما قال : يا عائشة ! ان الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة ! ان اللّه لم يرض من اولي العزم من الرسل الا بالصبر على مكروهها والصبر على محبوبها ثم لم يرض مني الا ان يكلفني ما كلفهم فقال : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل - / واني واللّه لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا باللّه