الشيخ محمد الصادقي الطهراني

211

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

هما مشتركان في كل التكليف وفي نزعات النفس والعقل . وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) : لا تأسف يا حامل الرسالة الأخيرة السامية على ما يستهزئ بك فيها ، فإن تأريخ الرسالة مشحون بهزءهم وسخريتهم من قبل المجاهيل المكذبين بآيات ربهم : « وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ . . » بمختلف ألوانه وأشجانه ، وهذه تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وتسرية عنه مما كان يلقاه من عناد المعرضين وعنت المكذبين المستهزئين ، طمأنة لقلبه الجريح القريح إلى سنة اللَّه في أخذ المستهزئين بالرسل والمكذبين ، وتأسية له كذلك بأن ليس بدعا في واجهة الهزء من هؤلاء الأوغاد المناكيد « فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ » . فقد تنزل هذه الآية حينما غاظ الرسول صلى الله عليه وآله بهزءهم « 1 » ، طمأنة لخاطره القديس الخطير ، وتشجيعا لذلك البشير النذير أن يستمر في دعوته صامدا ، لا هامدا ولا فشلا . ذلك ولم يكن اللَّه ليسكت عن هزء الرسل والسخرية من الرسالات ، « فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ » إصابة حالة محيطة « ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » وهو حيق الاستهزاء نفسه إذ برز بصورة عذابات الاستئصال الهازئة بهم وكما في قوم نوح : « كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ » ( 11 : 38 ) فقد سخرت منهم أمواج الطوفان جزاء وفاقا . هنا « ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » قد تعم إلى نفس الاستهزاء المستهزء به ، حيث الرسالات ببلوغها وبلاغها وصمودها وتقدمها وآياتها استهزئت بهؤلاء الأوغاد المناكيد ، كما استهزء بهم هزءهم نفسه . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) :

--> ( 1 ) . الدر المنثور 3 : 5 - / اخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال مر رسول اللَّه ( ص ) فيمابلغني بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزءوا به فغاظه ذلك فأنزل اللَّه « وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ . . . »