الشيخ محمد الصادقي الطهراني
183
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ورموزه ، فإنه بيان للناس ونور مبين ، فلا هيمنة طليقة على الوحي كله إلّا للوحي الأخير ، الثابت كما أنزل بلا تحوير أو تغيير ، حيث المحرّف بحاجة إلى هيمنة فلا يكون - إذا - مهيمنا لما سواه . وقضيته الهيمنة الطليقة القرآنية فالحاكم بالقرآن مهيمن على الحكم كله وعلى الحكام كلهم : « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاتَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ » المطلق المهيمن المطبق « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ » وهم كل الملل الكتابية والمسؤولون أمام كتب السماء « بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » في هذا القرآن ، فإنه يحمل كل ما أنزله من قبل وما يحتاجه المكلفون إلى يوم الدين . « وَلاتَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ » : تجاوزا عما جاءك من الحق إلى أهواءهم ، وتراه بالإمكان أن يتبع أهواءهم عما جاءه من الحق ؟ كلّا ولكن لتستأصل أهواءهم فيه بمحاولة استهوائه بما وعدوه . وهنا « عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ » تحقق له أن يحكم لهم بما أنزل اللَّه في شرعته ومنهاجه ، فلئن اختلف حكم التوراة عما فيها لم يحكم إلّا بما أنزل اللَّه فيها دون التوراة ، وإذا توافقا فالحكم متوافق بين الشرعتين والمنهاجين . ذلك ، ف « فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ » يحلّق حكمه الرسالي على الملل الخمس أن يحكم بينهم « بِما أَنْزَلَ اللَّهُ » من شرعته ومنهاجه ، فلم يخير من ذي قبل بين الحكم وتركه : « فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ » إلّا تخيّرا بين الحكم بما أنزل اللَّه عليه أو تركه إطلاقا حين لا يصدقونه ، ثم « وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ » وليس القسط هناك إلّا « ما أنزل الله » هنا ، لا سيما وأن حكم الرجم أم سواه كان متحدا بين التوراة وشرعة القرآن . فليس للرسول صلى الله عليه وآله أن يحكم في التحاكم إليه بين غير المسلمين بحكم يخالف شرعته ومنهاجه لمكان النسخ . فأنت أنت الحاكم المطلق بين الكتابيين أجمعين ، فان شرعتك هي الدين كله : « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » « لكلّ » من المذكورين وهم أهل الملل الثلاث اليهود