الشيخ محمد الصادقي الطهراني

174

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

دُمْتُ حَيًّا » ( 19 : 31 ) حيث المسيح لم يكن حينذاك نبيا وإنما نبئ بهذا ذودا عن أمه الطاهرة وبشارة بنبوته الآتية ، إذا فهذه الوصية كانت وحيا قبل الرسالة ، وعلّها كما أوحي إلى أم موسى أم ماذا ؟ . هذا ! ثم اللهم إلّا آيتنا هذه حيث قارنت بين الوحي على محمد صلى الله عليه وآله - وهو في أعلى القمم - وبين الوحي إلى سائر أولي العزم من الرسل ، فعبرت عن الأول بالوحي « الَّذِي أَوْحَيْنا » وعن الثاني بالوصية « وصى - وصينا » إيحاء بمدى البون بين الوحين ، وكما عبر عن الوحي على أولهم « نوح » عليه السلام بالمفرد الغائب وعن الآخرين بالجمع الحاضر إيحاء بالبون بين هذين أيضا كما بينهما وبين الأول . « شَرَعَ لَكُمْ . . أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاتَتَفَرَّقُوا فِيهِ » إنه ما شرع هذه الخمس حتى تتشجروا متفرقين ، وإنما « أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ » بكل شرعة في دورها « وَلاتَتَفَرَّقُوا فِيهِ » ف « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً . . لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ . . » ( 5 : 48 ) فلكل شرعة دور يجب على المكلفين كافة إتّباع الشرعة الحاضرة ، لا متابعة الغابرة تعّودا عليها أو تعصبا عنصريا أم ماذا ؟ فإن إقامة الدين في كل دور هي إقامة طاعة اللَّه في أمره الحاضر ، في شرعته الحاضرة ، فالتصلّب على الغابرة عصيان للأمر وتضييع للدين . فالتفرق في الدين : إلى هود ونصارى ومسلمين راحة للمشركين ، حيث يروننا أمثالهم في تفرق الدين ، متضادين متفرقين أيادي سبا كما هم ، و « كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ » من وحدة الدين ! وترى المخاطبون في « أَقِيمُوا الدِّينَ » هم المسلمون ؟ وهم مسلمون لا يتفرقون ! أم هم عامة المكلفين ؟ فإقامتهم للدين أن يقيموه في شرعته ، أن يتبع الكل في كل دور شرعته الواحدة ، فالترسب على شرعة سابقة نكرانا للّاحقة تضييع للدين الأمر والطاعة ، فإنهما الآن في الشرعة الحاضرة دون الغابرة ف « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ » ( 3 : 19 ) وقضية التسليم لأمر اللَّه وطاعته السليمة هي الاجتماع على شرعة حاضرة للدين دون اختلاف .