الشيخ محمد الصادقي الطهراني
155
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
نحن وتفهّم كلام اللّه ، إن له أهلا خصوصا لا يحل تفسيره إلّا لهم . ثم القائل « أَنْزَلَ اللَّهُ » مع التصديق أنه « بَيانٌ لِلنَّاسِ » يحمل عليه الآراء تقديسا للأجلاء المفتين بخلافه ، فليعن ما عنوه منه ! . وهكذا نرى « ما أَنْزَلَ اللَّهُ » ظليما أسيرا بأيدي الناس النسناس على مدار الزمن الرسالي ، فلو أن « ما أَنْزَلَ اللَّهُ » كان هو المحور الأصيل لمدراء شرعة اللّه والمتشرعين بها ، دونما حِوَل عنه لم تحصل هذه الخلافات العارمة والاختلاقات المتشتتة . وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآْخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 ) : « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ » ( 42 : 7 ) « 1 » . . . تلك كتب للماضين ، ماضين على مناهجها وغير ماضين « وهذا » القرآن العظيم « كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ » وكلّ كتب اللّه مباركة ولكن أين مبارك من مبارك ؟ . فهذا المبارك تتم بركته ، وتطم كافة المكلفين في كلّ حقول العلم والمعرفة والعمل الصالح إلى يوم الدين ، ثم وليس بدعا من الكتب بل هو « مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ » من كتب الوحي ، تصديقا لصادق وحيها وتكذيبا للكاذب من تحريف أو تجديف . وقد تلمح « بين يديه » إضافة إلى وحدة السلسلة الكتابية للرسل ، أن هذا الكتاب ناظر إليها مهيمن عليها ، تصديقا لصادقها وتكميلا ، وتكذيبا لكاذبها « مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » ( 5 : 48 ) ، ثم : « وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها » فمكة أم القرى في أصل التكوين اعتبارا بالكعبة المباركة حيث دحيت الأرض من تحتها ومكّت ، فكلّ القرى طارئة عليها وهي أمها ومخها ، فقد اشتقت « مكة » من تمككت العظم أخرجت مخه ، فهي مخ الأرض وأصلها ومنشؤها ، كما وأنها أوّل بيت وضع للناس : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
--> ( 1 ) . راجع الفرقان 25 : 115 تجد تفصيل البحث حول اممية الدعوة القرآنية