الشيخ محمد الصادقي الطهراني

8

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ومن ثم الشرعة الإلهية ترشدهما إلى تفاصيل مجهولة لديهما وتكملهما جملة وتفصيلا ، فالفطرة حجة اجمالية بسيطة ، والعقل حجة متوسطة وسيطة ، والشرع حجة موسّعة محيطة ، تصل بهما إلى أعلى معاليهما « 1 » . هنا فِطْرَتَ اللَّهِ ذات نسبتين وأربع صفات ، نسبة إلى اللّه : 1 - فِطْرَتَ اللَّهِ وأخرى إلى الناس : الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وقد احتفتها اربع صفات : لِلدِّينِ حَنِيفاً قبلها ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ بعدها . فنسبة الفطرة إلى اللّه توحي بأنها ليست إلّا من صنع اللّه ، لا صنع ولا تأثير ولا تبديل فيها لغير اللّه ، كيف وهي - فقط - خلق اللّه ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ فهي وحي تكويني إلى أعمق اعماق ذوات الناس ، كظرف صالح للوحي التشريعي ، وهنا التطابق التام بين كتابي التكوين والتشريع بحق الناس ، فالتشاريع الإلهية كلها تفاسير وتفاصيل لها أجمل في الفطرة ، لذلك فالحق يقال : إن دين اللّه فطري إذ يتبنّى الفطرة ، ومؤلف الكتابين خلقة وشرعة هو اللّه الواحد القهار ! ومن ثم نسبة الفطرة إلى الناس وبهذه الصيغة السائغة فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها توحي أنها الأصل والناس فرع عليها ، فكما النطفة هي أصله في البعد

--> ( 1 ) . الدين واحد والشرعة هي عدة متشرعة عن الدين الواحد ، ثم الدين أصله دين الفطرة ومن عمالها العقل ، ثم أقوى منهما دين الوحي المخطئ للعقل والمكمل لأحكام الفطرة وقد زوّد به آدم ( عليه السلام ) إذ لم تشرع له شرعة تفصيلية . ثم المرحلة الثالثة من الدين هو دين الشرعة ، المحتفظ بأحكام الفطرة ، المقررة بإثبات الواجبات والمحرمات ، والمفرع لكلّ شرعة ومنها بها حسب الحاجيات الوقتية حتى الشرعة الأخيرة التي هي الدين كله بكل التفاصيل الخالدة . فأول نبي بعث بشرعة من الدين هو نوح وآخرهم الرسول الخاتم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم )