الشيخ محمد الصادقي الطهراني
8
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ذوي الاستحقاق كلهم ، قرباء وغرباء ، ضعفاء وأقوياء ، من يُرجى خيره ومن لا يرجى ، كل ذلك على حد سواء : « الذين ينفقون أموالهم في سبيل اللَّه ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّاً ولا أذىً لهم أجرهم عند ربهم » « 1 » كما وأن لغة الإنفاق توحي بذلك فإنه الإفناء ، ومن يبتغي أجره في الدنيا من أهلها ، مادياً أو معنوياً ، إنما هو تاجر ، فقد يكون فاجراً في تجارته كمن ينفق في سبيل الطاغوت ، أو يمن ويؤذي المحتاج ، أو يرائي الناس ، أم ماذا ، وقد يكون صالحاً كسائر التجار ، وإنما الأجر الكبير للمنفق في سبيل اللَّه لا سواه . وترى من هم المخاطبون ب « آمنوا » ؟ أهم المؤمنون ؟ فكيف يؤمرون بتحصيل الحاصل ! أم الكافرون باللَّه وبالرسالات ؟ فمن أن يعرفون أين هذا أمر من اللَّه ؟ وهم ناكرون له غير مصدقين بوحيه ! ثم ومن لا يؤمن بدليل العقل فكيف يؤمن بمجرد النقل ؟ ! . نقول أولا هم المؤمنون ، وقد أمروا هنا كما في غيرها بمزيد الإيمان : « يا أيها الذين آمنوا باللَّه ورسوله » « 2 » والإنفاق في سبيل اللَّه بحاجة إلى إيمان عريق ، دون الإيمان الذي يصانع الشرك أحياناً : « وما يؤمن أكثرهم باللَّه إلا وهم مشركون » « 3 » فللإيمان عقيدياً وعملياً مراقي ودرجات لا بد أن يتدرج إليها بمساعي ومحاولات دائبة . ثم وماذا عليه لو خص بالكافرين أو شملهم ، إذ يأمرهم بالإيمان بعد استعراض دلائل الإيمان وملزماته ، فلهم أن يعرفوا وحي القرآن ببيناته ، ومنه أمرهم بالإيمان ، فطالما البينات تقنعهم للإيمان ، فهنا يأمرهم بحقيقة الإيمان ، إذ لا يكفي الإيمان البدائي لمثل الإنفاق في سبيل اللَّه ، إذاً فالخطاب يشمل الناس أجمعين ، مؤمنين وكافرين ! ومن ثم يندد بالكافرين منهم : « وَمَا لَكُمْ لَاتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . « 4 » فالتنديد هنا بسلب الإيمان وليس بنقصانه ، ف « ما لكم » ما داؤكم ؟ وما دواؤكم ؟ فلو « لا تؤمنون باللَّه » ودوافع الإيمان تحيط بكم ؟ من دعوة رسولية تملك من كافة البينات المخرجات من الظلمات إلى النور « والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم » ومن استجابة الفطرة للميثاق المأخوذ عليها من اللَّه « وقد أخذ » اللَّه « ميثاقكم إن كنتم مؤمنين » : بالدعوتين : برسول الفطرة التي فُطر الناس عليها ، وبرسول اللَّه الذي يدعوكم بإقامة وجوهكم إليها : « وأقم وجهك
--> ( 1 ) . 2 : 262 ( 2 ) . 4 : 136 ( 3 ) . 12 : 106 ( 4 ) . 57 : 8