الشيخ محمد الصادقي الطهراني
42
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
بهم الخطاب تشريفاً ، وعلى هامشه الجن وسائر الخلق المستفيدين من الحياة الأرضية . وكما قد يختص بنا الخطاب تشريفاً لنا على سائر الناس ، حيث يواكبنا نحن إذ نزل القرآن في دورنا ، وبينهما الخطاب لهذا النسل الأخير منذ آدم حتى القيامة الكبرى . « خلق لكم » : كل انسال الناس - النسل الأخير : الناس زمن الخطاب حتى القيامة - فان هذا الخطاب وكثير مثله - يوَّجه على غرار القضايا الحقيقية ، الشاملة للناس ايُّا كانوا وأيّان . « خلق لكم ما في الأرض جميعاً » خلق لكم جميعاً - ما في الأرض جميعاً ، فهو في ازدواجية الجمع ، فكما الأرض بما فيها جميعاً خلق لكم ، كذلك هي لكم جميعاً . وهما قاعدتان فقهيتان من أعمها وأهمها في التشريع الإسلامي : أصالة الإباحة في جميع الأشياء ، وأصالة الاشتراك فيها . ف « ما في الأرض » يشملها وما في ظهرها وبطنها وما في جوّها ، جمعاً لما في الأرض إلى الأرض ، حيث « في » تعني الظرف ، فظرف الأرض بمظروفها : بكل حواياها وزواياها ، بكل أبعادها ما صدق الأرض وما فيها - إنها جميعاً خلقت لنا جميعاً . وبما أن « لكم » تفيد الانتفاع ، فهنا الغاية من خلق الأرض وما فيها أن ننتفع بها كما نشاء بما نشاء وحيث نشاء وأنّى ، حتى يأتينا من اللَّه حظر في : كيف ننتفع ومتى وأنّى وممّا ؟ وهي أصالة الإباحة في كافة التصرفات والإنتفاعات ، ولكنها تلميحة كتصريحة أن هذه التصرفات حددت بحدود الحفاظ على المنافع الفردية والجماعية ، الفردية التي لا تضر بالمجتمع ، والجماعية التي تحافظ على منافع الأفراد : أصالة الفرد والمجتمع ، ولكنما المجتمع هو الاوّل والأَولى إذا تناحرا ، لمكان « لكم » ! . فحرية التصرف فيما في الأرض هي مباحة مسموحة ما لم تناحر حرية الآخرين . ثم وأصالة الاشتراك : « لكم جميعاً » فخلق اللَّه ليس لناس خصوص أو أشخاص خصوص ، وإنما « لكم جميعاً » أن تنتفعوا مما في الأرض جميعاً . فكما اللَّه إله الناس جميعاً دون اختصاص بناس دون ناس ، كذلك رزقه هو لهم جميعاً دون اختصاص ، إلّا أن يختصوا بما يقدِّمون من أفكار وأعمال ، فلهم ما لهم بما قدموا دونما إشتراك ، ولهم ما للجميع ما لم يقدموا - دونما اختصاص - . إذاً فالأرض بماءها وهواءها وكلاءها ومعادنها وغاباتها ، بما فيها وما عليها وما إليها ، هي جميعاً للناس جميعاً ، لا يحق لأحد أن يختص بنفسه منها شيئاً إلّا ما عمل وكدح : « يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه » . والاقتصاد الإسلامي إختصاصي في وجهات الأعمال بحصائلها ، واشتراكي في خلق اللَّه ، رفضاً ليمينية الإختصاص الظالم في كلِّ شيءٍ ، ويساية الاشتراك الغاشم في كل شيءٍ ، وإنما : اختصاص عادل واشتراك عادل ، دون الكلمات والعبارات والدعايات البراقة - الجوفاء الخواء من الحقيقة - ، وإنما هو الحق كلُّه والحقيقة كلُّها . ولأن جميع ما في الأرض مخلوق لنا فلنا أن ننتفع منها باستخدام العلم والعمل ، كدحاً في سبيل الانتفاع مما هبانا اللَّه ، ولنعبد اللَّه على منِّه وإحسانه ، ولماذا يسبقنا من لا يعرفون اللَّه أو يكذبونه ، ثم نحن المسلمين نعيش على هوامشهم ونحسب أننا نحسن صنعاً ! . .