الشيخ محمد الصادقي الطهراني

340

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

أحد ، وعن كل اتجاه إلى أي شيء واي أحد وأية قيمة سوى اللَّه ، فقد حررتها بنذرها عن كل تقيّد جماعي بأية مسؤولية حتى تتخلى لخدمة اللَّه في بيت اللَّه « 1 » . فالتوحيد الحق في مثلث : العقيدة والنية والعملية ، هو الصورة المثلى للتحرر المطلق ، إنه يتمثل هنا في نذر التحرر لقرة العين وفلذة الكبد : الولد - ولمَّا يولد - مما يشي بعمق الإيمان وخلوص العمران لقلب امرأة عمران . ولقد كانت تنتظر لذلك التحرر المنظور ولداً ذكراً هو المحور في نذرها ، والنذر للمعابد لم يكن معروفاً إلّاللذكر ان لخدموا الهيكل وينقطعوا للعبادة والتبتل ، ولكن ها هي تجدها أنثى وليس الذكر كالأنثى : « فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ » « 2 » . لقد تتحسر امرأة عمران على ما كان من خيبة رجائها ومعاكسة تقديرها ، وتحزنت إلى ربها إذ كانت ترجو ذكراً تهبه محرراً لبيت اللَّه وتقفه على خدمته ، ولكن الوليدةأنثى والبنات لا يصلحن لذلك التحرر الطليق ، للزوم مقامهن عند أزواجهن في زواجهن ، ولزوم الخزوج عن بيت اللَّه حالة الحيض والنفاس و . . . على اية حال . فهنا « . . قالت رب اني وضعتها أنثى » ليست اخباراً « واللَّه اعلم بما وضعت » بل هو تحسُّر أنها لا تصلح لذلك التحرر لأنها أنثى ، فقد تناجي ربها كمعتذرة عن تحرّرها أو كئيبة لأنها أنثى ، راجية ان تقبلها ربها على انوثتها كما تقبلّها ، مشفقة من ألّا يُقبَل نذرها . هنا « واللَّه اعلم بما وضعت » كجملة معترضة ، هي ذودٌ عن ساحة الرب ان لا يعلم ، على

--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 331 في كتاب علل الشرايع بسند متصل عن إسماعيل الجعفي قال قلت لأبي جعفر عليهما السلام : إن المغيرة يزعم أن الحائض تقضي الصلاة كما تقضي الصوم فقال : ماله لا وفقه اللَّه إن امرأة عمران قالت : رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً ، والمحرر لا يخرج منه أبداً فلما وضعت مريم قالت رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى فلما وضعتها أدخلتها المسجد فلما بلغت مبلغ النساء أخرجت من المسجد ، أن كانت تجد أياماً تقضيها وهي عليها أن تكون الدهر في المسجد ( 2 ) . 3 : 36