الشيخ محمد الصادقي الطهراني
323
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
بالتزوج منهن إن خافوا ألا يقسطوا : « وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً . وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع . . . » « 1 » . وقد تلمح « ولا تنكحوا المشركات . . » التالية لها ، لعناية النكاح من المخالطة فيما تعنيه . فنكاح المتوفى عنها زوجها يسسهل امر المخالطة المعيشية معها ومع أولادها ، ونكاح البنت اليتيمة يسهل امر مخالطتها أكثر منها إذ تخرج هي عن اليتم ولا يخرج أولاد المرأة التي تتزوجها عن اليتم ، وإنكاح بنت لك يتيماً يسهل أمر مخالطته المعيشية عواناً بينهما . واجب الإيفاء بالعقود على شروطها « يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ » « 2 » . . . إنه لا بد ل « الذين آمنوا » من إنشاء دولة على ضوء الإيمان باللَّه ، دولة مثلثة التنظيمات ، بعقد وثيق مع اللَّه في بعديه منه علينا ومنا إليه ، وآخر يتبنى عقد اللَّه مع عباد اللَّه بينهم أنفسهم ، ولذلك يؤمر « الذين آمنوا » هنا في بزوغ المائدة أن يتبنوا دولة الإيمان على ذلك الأصل الأصيل النبيل لتصبح حياتهم ودولتهم مائدة على ضوء الإيفاء بالعقود ككلٍّ . « أوفوا بالعقود » « 3 » :
--> ( 1 ) . 4 : 2 - 3 ( 2 ) . 5 : 1 ( 3 ) . قد يظن هناك كما في أشباهه ألّا رباط بين جملتي الآية « أوفوا . . أحلت . . » فترتيب تأليف القرآن - إذاً - ليس بالوحي . ولكن كون ترتيب التأليف بالوحي كما التنزيل ضرورة لا حول عنها ، حيث المعاني المستفاد من ترتيب التأليف ليست مستفادة من ترتيب التنزيل ولا التأليف بغير الوحي ، فلأن القرآن هو آخر كتاب سماوي وسائل كتب السماء محرفة عن جهات أشراعها ، فالمفروض في هذا الوحي الأخير أن يكون وحياً في كافة جنباته ، ومنها ترتيب تأليفه ، فلو أهمل في ترتيب التأليف لكان ذلك إهمالًا في معاني مقصودة من الترتيب بالوحي الذي يحلق على كل المعاني المقصودة بخاصة الترتيب . ولو لم يكن هذا الترتيب الموجود طول القرون الإسلامية بالوحي لتكرث الترتيبات والتأليفات ، حيث الرغبات في تأليف القرآن كثيرة والرقبات فيه - إذاً - مديدة ، وليس من المكن أن مؤلف القرآن بهذا الترتيب هو واحد أو جماعة من غير المتصلين بالوحي ثم المسلمون أجمع بمن فيهم الأئمة المعصومون تلقوه بالقبول . ثمّ « ان علينا جمعه وقرانه » يحصر جمع القرآن وهو تأليفه بعد شتات تنزيله ، يحصره في اللَّه تعالى ، فهل أوحى إلى غير نبيه معه أو بعده بذلك التأليف الأليف ؟ والوحي منحصر فيه ! إذاً فهذه القرآن هو كلُّه وحي في كيانه ككل ومنه ترتيبه الخاص الحاضر . فلا بد لمعرفة رباطات الآيات من كامل التدبر ولاثقه بالذكر الحكيم ، فإذ لم تعرفها تقول : لا نعلم ، وهناك معاني عالية مستفادة من ذلك الترتيب العظيم وقضية ربانية الدعوة أن يكون تأليف كتاب الدعوة بنسق جمعي يجذب الناظر إليه في كل مجموعة يسيرة من آياته . فالناس هم بطبيعة الحال في الأكثرية الساحقة لا يهوون أن يستمعوا إلى كتب اللَّه لأنها تخالف شهواتهم الجارفة ولهواتهم الهارفة الخارفة ، فالطريقة الحسنى لجذبهم إلى الدعوة الربانية - إضافة إلى قمة الفصاحة والبلاغة ، أن يحمل كتاب الدعوة في كل قسم منه كلًا مجموعاً كنموذج وأصل من أصل الدعوة وفرعها ، حتى يحتل سماع كل صاغ غير باغ ، أم وسماع كل باغ حيث تمر على سمعه منه آيات ، فقد تدعو آية واحدة فيها من مختلف ألوان الدعوة الفطرية والعقلية والعلمية والحسية أنفسياً وسائر الدعوة آفاقياً ، تدعوا بمفردها إلى الحق المرام ما ليس بالإمكان في سائر المؤلفات المرتبة حسب الأبواب والفصول . كما وأن تكرار مهام الدعوة في كتابها يعني تكرير التذكير ، إضافة إلى أن التكرار له مجال في كل حال ، يستفاد منه معناه الخاص ومبتغاه