الشيخ محمد الصادقي الطهراني
302
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الابتلاء . فالإبتلاء وإيناس الرشد هما متجاوبان في حقل التعليم والتربية دون أن يكتفي في أي منهما بواحد منهما ، ولا يجب من الابتلاء وإيناس الرشد إلَّا ما دون العسر والحرج للمبتلي والمبتلى ، ومسرح الابتلاء هو الاستعداد له دون عسر ولا حرج ، وذلك يختلف حسب الفاعليات والقابليات ، فليس لبدايته حد خاص لعمر اليتيم ، مهما كانت الغاية الأكثرية هي بلوغ النكاح ، ثم الغاية الأصيلة هي إيناس الرشد . و « رشداً » هنا منكراً لا يعني رشداً مَّا بالنسبة لإصلاح المال ، بل ورشداً في العقلية الإسلامية ، فرشدٌ مَّا بالنسبة لليتيم هو مجموع الرشدين لأنه يقابل السفه وهو ذو بعدين ، بُعدان أمام بعدين سفها ورشداً ، وقد أتى منكَّراً دون تعريف حيث الرشد يحلِّق على كل درجاته ، وذلك مما يحجز الأكثرية الساحقة من اليتامى - بل وأوليائهم - عن التصرفات المالية ، فلذلك اكتفى ب « رشداً » وهو أولى درجات التقوى الاقتصادية والشرعية كما يناسب حقل التصرفات المالية لكل من اليتيم واليتيمة في خِضِمِّ المجتمع العام ، فلا يكفي رشد يخص جزئيات التصرفات المالية ، لدفع كل أمواله إليه ، وإنما يقدر الدفع بقدر الرشد . ولأن المسرف والمبذر والذي يصرف ماله في حرام هو سفيه غوي - فلا يصدق عليه أنه رشيد - لم يجز دفع ماله إليه ، اللَّهم إلّا قدر رشده كيلا يضيع ماله وتضيع حاله . فهنا شدَّات ثلاث لجواز دفع مال اليتيم إليه ، شد النكاح لمكان « حتى إذا بلغوا النكاح » وشد الرشدين مالياً وحالياً حسب الشرع كما يعنيه « رشداً » و ( « لا تقربوا مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده » « 1 » « فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما » « 2 » والأشدُّ جمع الشِّدِّ وأقله ثلاث شدات هي بلوغ النكاح والرشدين عقلياً وشرعياً ويجمعهما الاستواء : « ولما بلغ أشده وأتسوى أتيناه حكماً وعلماً » « 3 » وقد يتقاضى بلوغ الأشد حد الأربعين : « حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة » « 4 » . فالمستوي في حياته في شد الجسم والعقلية الإسلامية هو الذي بلغ رشداً ، والمحور الأصيل هنا شد الرشدين فإن رشد دون بلوغ النكاح فقد يقال بجواز دفع ماله إليه ، وأما إن بلغ النكاح دون رشد فلا وإن بلغ أربعين فإنه - إذاً - سفيه محجور عليه ، ذلك ! وقد يأتي
--> ( 1 ) . 17 : 34 ( 2 ) . 18 : 82 ( 3 ) . 28 : 14 ( 4 ) . 46 : 15