الشيخ محمد الصادقي الطهراني
288
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الميسور : كعِدَةٍ جميلة : سآتيكم إن شاء اللَّه ، وبصيغة أخرى أن تحسن بهم احساناً ، أن تؤتيهم خيراً إن كان عندك مع قول ميسور ، دون منٍّ أو اذىً أو قول معسور . فالسكوت عن المحاويج ، إلا إذا كان حياءً « 1 » . أو القول : ما عندي ، إنهما ، لا يليقان بكرم الاخلاق ، وانما قول ميسور ، فإنه عوض وأمل وتجمل وان لم يتيسر له الوفاء به . وقد تعني نون التأكيد في « تعرضن » تأكُّدَ الإعراض عند الإعواز إيحاءٌ بأنه صلى الله عليه وآله لا يكذب - أن يَعِد وليس عنده - في مجاملات ، فوجّه هذه الحتمية الصادقة إلى وجهة أخرى لينة لا تنافيها ، أن يقول لهم كما يرجو رحمة ربه : إن شاء اللَّه : ابتغاء رحمة اللَّه ، وأما أنا فما عندي ، وما عند اللَّه خير وأبقى . « وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراًا 29 إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً » « 2 » . هذه كناية عن التقتير ومن ثم التبذير حيث هما مذمومان ، نهياً عن التفريط في الانفاق وآخر عن الإفراط فيه ، أن يتخذ بين ذلك قواماً : « الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً » « 3 » وقوام المال ما يقوم بالحياة دون اسراف ولا تبذير ولا تكنيز حين يحتاج صاحبه ، القوام في الإنفاق « حسنة بين سيِّئتين » « 4 » « وانفقوا في سبيل اللَّه ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن اللَّه يحب المحسنين » « 5 » « ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو » « 6 » . نصوص أربعة تحمل بطيّاتها حملة على البخلاء والمبذرين المسرفين ، آمرة بالتوازن الإسلامي السليم في صرف المال سلبياً وايجابياً : أن يد المسلم هي يد الإعطاء مما زاد عن حاجياته ، لا مغلولة إلى عنقه ممسكاً لا يعطي ، ولا باسطة كل البسط يعطي ولا يبقي ، وإنما قوام بين ذلك وعوان وتوازن هو القاعدة الكبرى في منهج الإقتصاد الإسلامي ، فالبخل غُلٌّ والتبذير بسط وذُلٌّ ، هما يقعدانك ملوماً تلوم نفسك ويلومك الناس « 7 » ، محسوراً :
--> ( 1 ) . اخرج ابن حبان والحاكم عن انس قال كان النبي صلى الله عليه وآله إذا سئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائلوسكت حياءً وفي الطبراني الأوسط عن علي عليه السلام كان النبي صلى الله عليه وآله إذا سئل شيئاً فأراد ان يفعله قال : نعم ، وإذا أراد الا يفعل سكت ولم يقل قط لشيء : لا ( 2 ) . 17 : 29 - 30 ( 3 ) . 25 : 67 ( 4 ) . نور الثقلين 3 : 159 عن تفسير العياشي عن الحلبي عن بعض أصحابه عنه قال : قال أبو جعفر لابيعبداللَّه عليه السلام يا بني عليك بالحسنة بين السيئتين تمحوهما ، قال : وكيف ذلك يا ابه ؟ قال : مثل قوله : « لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط . . » ( 5 ) . 2 : 195 ( 6 ) . 2 : 219 ( 7 ) . الدر المنثور 4 : 178 - اخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن يسار بن الحكم قال اتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله برّاًمن العراق وكان معطاء كريماً فقسمه بين الناس فبلغ ذلك قوماً من العرب فقالوا نأتي النبي صلى الله عليه وآله فنسأله فوجدوه قد افرغ منه فأنزل اللَّه هذه الآية . وفي تفسير البرهان 2 : 417 الكافي عن علي بن إبراهيم القمي عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال قال : علّم اللَّه عز وجل اسمه نبيه كيف ينفق وذلك أنه كانت عنده أوقية من الذهب فكره ان تبيت عنده فتصدق بها فأصبح وليس عنده شيء وجاء من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه فلامه السائل واغتم هو حيثما لم يكن عنده شيء وكان رحيماً رقيقاً فادب اللَّه عز وجل نبيَّه بأمره فقال : ولا تجعل . . . يقول : ان الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال قد كنت حسرت من المال