الشيخ محمد الصادقي الطهراني
257
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
يبقى إلَّا « رؤوس أموالكم » شريطةَ التوبة ، وإلَّا فليس لكم إلَّا ما تبقَّى من رأس المال ورعايةً لحساب كل ما أخذتم من الربا ، فإن وفى رأس المال فلا رأسَ مال ، وإن نقص عما أخذتم فأنتم فيه مدينون ، وإن زاد فلكم - فقط - الزيادة ، فإنما العفو عن رأس المال هو بديل التوبة ترغيباً إليها ، وإبقاءً لما تعلمون فيه لحاجيات الحياة ، ثم « أمره إلى اللَّه » أمر ما سلف كما أمره هو نفسه ، واللَّه الذي يُرضي صاحب الحق يوم الأخرى بما يرى . وحين ندرس الأمر في « أمره إلى اللَّه » بدقة نجد أموراً وأموامر عدة ، فمن الأمور 1 - « ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » نقضاً ل « له ما سلف » ذنباً وديناً ، ومنه 2 - « يمحق اللَّه الربا ويربي اللَّه الصدقات ، واللَّه لا يحب كفار أثيم » ومن محق الربا الحكم بردها إلى أصحابها فلا تبقى رباً ولا رأس مال فهو فاضي اليدين عن كل شيءٍ ، ومنه 3 - « إن الذين آمنوا . . . » ومنه 4 - « ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين » ومنه 5 - « فإن لم تفعلوا . . . » 6 - ومنه « وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم » 7 - ومنه « وإن كان ذو عسرة . . » . كل ذلك تشمله « وأمره إلى اللَّه » ويستفاد أمره التكوين إن ظل تائباً من « لكم رؤوس أموالكم » إضافة إلى « وله ما سلف » . « يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَايُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ » « 1 » . التقابل بين « الربا » وهي أكل بباطل دون مقابل و « الصدقات » وهي إيكال بحق دون مقابل ، إنه تقابل لطيف وبينهما عوان هو المبادلة العادلة ، لا أكلًا بباطل ولا إيكالًا بلا مقابل . ولأن الربا ماحقة للدين والديّنين ، وماحقة للاقتصاد ، لذلك « يمحق اللَّه الربا » ثم الصدقات مربية في حقلي العطف الإنساني والاقتصاد فهو « يربي الصدقات » وذلك معاكسة فيما تعنيه الربا من الزيادة والصدقات من النقصان ، لغوياً ، فالربا ممحوقة وإن سميت رباً ، والصدقات رابية وإن لم تسمَّ رباً . فرغم أن الربا مزيد مال دون عوض ، اللَّه يمحقها ، ثم الصدقات نقصان مال دون عوض ، اللَّه يربيها ، فترى ما هو محق الربا وإرباء الصدقات في الحقل الاقتصادي ، بعدما نعرف منهما في الحقل الروحي والجزاء يوم الدين ؟ . المحق هو نقصان إلى زوال حالًا بعد حال ، وهكذا الربا خلاف اسمها وظاهرها عند أهل الظاهر ، فإن الربا - على حد قول الرسول صلى الله عليه وآله - « وإن كثر فإلى قَلٍّ » « 2 » قلٍّ في ريع الإقتصاد
--> ( 1 ) . 2 : 276 ( 2 ) . الدر المنثور أخرجه عن النبي صلى الله عليه وآله