الشيخ محمد الصادقي الطهراني

234

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وقد يقال إن رأس المال في الربا هو العمل المتبلور المتمثل في النقود ، فكما العمل له أجرة ، كذلك ما يمثله إذ هو حصيلته . كما أنك تسعى وتحصل على مال تشتري به داراً ولك أن تؤجرها ، فإنهما في كونهما تبلوراً للسعي لا فرق بينهما ؟ ! . ولكن الأجر ليس إلّا للسعي نفسه ، دون أجرته ، فهل تأخذ أجرة على الأجرة التي عندك حتى تأخذها عمن سواك إذا أقرضته ، دون أي عمل منك في الحالتين ؟ . ومن الفارق بين المثالين ، أن لمثل الدار منفعة دون سعي فلها - إذاً - مقابل ، وليس لأصل النقود منفعة دون سعي ، وليس الحاصل من سعي الساعي في مالك إلّا من سعيه مهما ساعده مالك ، واصالة السعي تقتضي اختصاص الفائدة بالساعي . ثم إن سكن الدار منفعة بلا ضرر إضافة إلى أنها دون سعي من المستأجر ، ولكن النقود قد تنتفع بها وقد تتضرر وهي قد تنفع ولا تضر ، فحين يتحمل المستدين نفعاً خالصاً ما دام عنده المال فقد بطل سعيه حين لا ينتفع ، وقلَّ حين ينتفع ، لا لشيءٍ إلّا لأن عنده لك مالًا ليس بنفسه ينفع إلّا أن يتحرك ، فليست المنفعة إلّا للسعي ، مهما شارك الساعي فيها صاحب المال عند المضاربة ، ولكنها ليست فقط مشاركة في المنفعة بل وفي الضرر أيضاً . فما المضاربة إلّا مشاركة سعيين ، حيٍّ هو للعامل وميت هو مالك والمنافع فيهما مشتركة ، وحين لا ضرر ولا نفع فهما شريكان في عدم النفع والضرر ، ثم والنصيب الأوفر في المنافع هو للعامل ، لأن عمله حيّ وذاك ميت هو يحييه ، وأن عملك الميت مال زائد عن حاجياتك الضرورية وعمله الحي حاجة ضرورية ، وأن عملك الميت ليس لينتج عوائِد دون ضم لعمله الحي ، وعمله الحي ينتج دون عملك الميت مهما كان أقل إنتاجاً ، إذاً فله النصيب الأوفر من منافع السعي كالشريكين المختلفين في السعي ، فعيشة البطالة ممنوعة في الإقتصاد الإسلامي على أية حال ، اللّهم إلّا للقاصرين عن السعي الوافي للمعيشة ، فلا نصيب لصاحب مُرَّة قوى من بيت مال المسلمين زكوةً وسواها ، إنما هم الفقراء والمساكين حالًا ومالًا ، دون هؤلاء البطالين الذين يتركون المساعي المحللة فيأخذون الربا أو الصدقات والزكوات أمِّن سائر حقوق اللَّه ، لا لشيءٍ إلّا خيالات مختلقة كأن لهم حقوقاً في بيت مال المسلمين . فلا حظَّ إلّا للساعي قدر سعيه ، أو القاصر - على هامشه - قدر قصوره ، سواءٌ أكان السعي فكرياً علمياً أو عملياً ، فإنما هو السعي النافع لإدارة شؤون الحياة ، الذي يبذل بإزاءه المال و « أن ليس للإنسان إلّا ما سعى » . هناك في آية مكية نجد أول حظر من الربا : « وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند اللَّه وما آتيتم من زكاة تريدون وجه اللَّه فأولئك هم المضعفون » « 1 » . ثم في مدنية يغلظ النهي : « يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا اضعافاً مضاعفة واتقوا اللَّه

--> ( 1 ) . 30 : 39