الشيخ محمد الصادقي الطهراني
202
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
على الكنز ، إجابة صارمة لا قِبَل لها إلا ترك الآية وراءَهم ظهرياً . فالكنز على أية حال محظور ، والتبذير والإسراف وصرف المال في محرم أو في غير المصلحة محظور ، وترك الإنفاق عفواً منه محظور ، ولا يحق لأصحاب الأموال أن يجمعوا أموالًا وبجنبهم فقراء أم فقر في سبيل اللَّه . « يوم يحمى عليها في نار جهنم » يحمى على أصل الذهب والفضة كرصيدين لكل الأموال ، أم يحمى على أصول الأموال أياً كانت حيث الأجسام في الجحيم غيرها هنا وكما الأبدان . « فتكوى بها . . » وإنما خصصت هذه الثلاثة بالكي ؟ لأنها كانت مسجودات لأصحابها ، خارجة على كونها ذرائع للعيشة ، وسنادات لجنوبهم وظهورهم ، ففي كنز المال دونما إدارة لشؤون الحياة إخراج له عن الوسيلة إلى الأصل ، وكأنه يعبد فكيٌّ للجباه ، ثم يعتمد عليه كما يعتمد الظهر على عماد فكي للظهور ، ثم اعتماد عليه كهامش الحياة استرواحاً إليه فكي للجنوب ، ومن هذه الثلاثة يدخل النار في الأجواف ، فيقال : « هذا ما كنزتم لأنفسكم » إشارة إلى الكنز أياً كان ، كنزتم لأنفسكم لمستقبلكم الموهوم يوم الدنيا ، أم ولحياتكم الأخرى « فذوقوا ما كنتم تكنزون » ذوقاً لملكوتها التي حولتموها إليها . ذلك لأن المال في وصفه تكويناً وتشريعاً ليس إلا ذريعة لإدارة شؤون الحياة بصورة عادلة وفاضلة ، إذاً فتجميدها عن الحركة الحيوية اعتبارٌ لها كأنها أصل من أصول الحياة فيرجع عذاباً على صاحبه الكانز إياه . ثم يتلوه الذي يصرفه في غير صالح للحياة ، أم يبذره أو يسرف به ، ثم الزاوية الثالثة هي الصالحة ، تحصيلًا له صالحاً ، وصرفاً صالحاً دونما إفراط ولا تفريط . وفي رجعة أخرى إلى الآية نرى أن النفقة المتعودة في غير ما تبذير أو إسراف خارجة عن الكنز ، وقد تشمل الميراث ، ولولا أنه مسموح لما كان دور لآيات الميراث ، فمثلث النفقة الحاضرة والمستقبلة وما بعد الموت لمن عليه نفقتهم ، إنها خارجة عن الكنز ، اللَّهم إلا إذا دار الأمر بين الأهم والمهم ، كما إذا كانت الحاجة الحاضرة أهم من المستقبلة ومن الميراث . فالضابطة الصالحة هي استثناء مثلث النفقة عن الكنز إلا فيما يستثنى . وعلى أية حال فبِطالة المال وعُطالته هي كعُطالة الحال وبِطالتها غير مسموحة في شرعة اللَّه ، فلا تقوم الحياة إلا بحركة صالحه بين العمل والمال ، فليس كل واحد منها يكفي لإدارة