الشيخ محمد الصادقي الطهراني
159
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
قلت ، شاملة للجل أو الكل ، حيث الإنسان أياً كان بإمكانه إيتاء الزكاة ، وعلى أقل تقدير من سائر قواته إن لم يكن له قوة في مال . ذلك ! فلم يقرن أي واجب بصفة الإيمان العام إلا الزكاة ، مما يدل على تعميمها لكل المؤمنين . أم كيف تختص الزكاة بهذه التسع وهي معنية من الخاتم الذي أنفقه الإمام علي عليه السلام في ركوع الصلاة ؟ حسب متواتر الروايات المفسرة آيته : « إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون » « 1 » . فلا تجد أياً من فروع الدين يقرن بالصلاة إلّا الزكاة ، فقد « فرض اللَّه الزكاة مع الصلاة » « 2 » في عدة آيات ، وليس ذلك إلّا لأهميتها وأعميتها ، فالإنسان أياً كان قد يجد ما ينفقه ، ولكن الصوم والجهاد والحج والأمر والنهي وما أشبه ليست على كافة المكلفين ، اللَّهم من توفرت فيه شروطها بظروفها . هنا ننظر إلى خصوص الآيات وعمومها في حقل الزكاة ، فلا نجد أية إشارة إلى اختصاصها بمال دون سواه ، مما يحتم شمولها لكل الأموال دونما استثناء . ومن خصوصها : « وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقَّه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين » « 3 » . فضمير الغائب في « حقه » راجع - لأقل تقدير - إلى الأخير : « والزيتون والرمان » ويكفي هذا تجاوزاً عن التسعة الشهيرة ! ولكنه راجع - بظاهره - إلى كل المذكورات هنا ، ف « جنات معروشات وغير معروشات » تشمل كافة الجنات بكل الفواكه الناتجة عنها دونما استثناء ، كما « الزرع مختلفاً أكله » تشمل كل ما يزرع ، فأين حصر الزكاة في الغلاة الأربع ونص الآية لا سيما في الزيتون والرمان يعارضه . ثم « حقه » تلمح صارحة بحق معلوم ، ومن ثم « يوم حصاده » تختصه بيوم الحصاد ، مما يخصصه بالزكاة ، إذ لا حق معلوماً يوم الحصاد إلّا الزكاة « 4 » والقول ألّا إسراف في الحق
--> ( 1 ) . 5 : 55 ( 2 ) . الوسائل 6 : 5 صحيحة الفضلاء الأربع محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد وفضيل كلهم عن أبي جعفروأبي عبداللَّه عليهما السلام قالا : فرض اللَّه الزكاة مع الصلاة . وعن النهج عن علي عليه السلام تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها . . ثم إن الزكاة جعلة مع الصلاة قرباناً لأهل الإسلام فمن أعطاها طيب النفس بها فإنها تجعل له كفارة ومن النار حجاباً ووقاية فلا يتبعها أحد نفسه ولا يكثرن عليها لهفة وإن من أعطاها غير طيب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسنة مغبون الأجر ضال العمل طويل الندم . وفيه عنه عليه السلام سوّسوا إيمانكم بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء ( 3 ) . 6 : 143 ( 4 ) . الدر المنثور 3 : 49 - أخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : الصدقة التي فيه ذكر لنا إن نبي اللَّه صلى الله عليه وآله سن فيما سقت السماء أو العين السائحة أو سقى النيل أو كان بعلًا العشر كاملًا وفيما سقي بالرشا نصف العشر وهذا فيما يكال من الثمر ، قال : وكان يقال إذا بلغت الثمرة خمسة أوسق وهو ثلاثمائة صاع فقد حقت فيه الزكاة قال : وكانوا يستحبون أن يعطى مما لا يكال من الثمرة على نحو ما يكال منها . وفيه أخرج ابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله في الآية قال : « ما سقط من السنبل » أقول : قد يعني واجب الزكاة دون نصاب في مكة قبل تقرير النصاب . وفي نور الثقلين 1 : 769 في تفسير العياشي عن سماعة عن أبي عبداللَّه عن أبيه عليهما السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يكره أن يصرم النخل بالليل وان يحصد الزرع بالليل لأن اللَّه يقول : وآتوا حقه يوم حصاده قيل يا نبي اللَّه وما حقه ؟ قال : ناول منه المسكين والسائل . أقول : وهذا من تفسير الآية مكياً قبل تقرير النصاب . وفيه عن أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام في الآية فسماه اللَّه حقاً قال قلت : وما حقه يوم حصاده ؟ قال : الضغث وتناوله من حضرك من أهل الخاصة . أقول : وهكذا الأمر هنا . وفي الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير في الآية هذا من الصدقة يعطي المسكين القبضة بعد القبضة ومن الجراذ الحفنة بعد الحفنة حتى يفرغ . وفي الوسائل 6 : 134 عن أبي مريم عن أبي عبداللَّه عليه السلام في الآية قال : « تعطي المسكين يوم حصادك الضغث ثم إذا وقع في البيدر ثم إذا وقع في الصاع العشر ونصف العشر » أقول : وهذا تفسير الآية مدنياً بعد تقرير النصاب . ويعارضه خبر معاوية بن شريح سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول : في الزرع حقان حق تؤخذ به وحق تعطيه قلت وما الذي أؤخذ به وما الذي أعطيه ؟ قال : أما الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر وأما الذي تعطيه فقول عزَّ وجلّ « وآتوا حقه يوم حصاده » يعني ما حضرك الشيء بعد الشيء ولا أعلمه إلا قال : الضغث ثم الضغث حتى يفرغ ، أقول : عله يعني الحق المحلق على النصاب لأنها نزلت قبل تقرير النصاب