الشيخ محمد الصادقي الطهراني

149

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وتلك هي صورة عميقة الإيحاء يرسمها ذلك النص الجلي العلي على اختصاره ، ترسم كل الملامح والسمات لتلك الوجوه المضيئة بإشراقة الإيمان ، المليئة من الإستحياء على بأسها وبؤسها في حاجيات الحياة المعيشية ، وكأنك تراها من خلال هذه الجملات الجميلة . وهم أولاء أفضل من يُنفَق لهم ، وأحرى من تخفي لهم صدقاتهم ، حفاظاً على كرامتهم ، « وما تنفقوا من خير فان اللَّه به عليم » : « الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » « 1 » . هنا تتقدم « سراً » على « علانية » تأشيراً لتقدُّمه عليها كأصل إلّا ما خرج بالدليل ، فان في انفاق السر حفاظاً على صالح النية ، وعلى كرامة الفقير ، مهما كان انفاق العلانية تشجيعاً لسائر الناس في الانفاق ، ولكن « قوا أنفسكم وأهليكم ناراً . . . » . الزكوات الواجبة العامة « خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » « 2 » . « خذ من أموالهم » هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم « 3 » وغيرهم من أصحاب الأموال « صدقة » هي الزكاة المفروضة ، ولأن « أموالهم » جمع مضاف يفيد الاستغراق ، إذاً فمستغرَق الأموال هي كلها مجالٌ واسعٌ لأخذ واجب الصدقة ، دون اختصاص بالتسعة الشهيرة ، فحتى لو دل دليل على ذلك الإختصاص لكان ناسخاً لهذه الآية ! إذ لا تقبل ذلك التخصيص فإنه

--> ( 1 ) . 2 : 274 ( 2 ) . 8 : 103 ( 3 ) . في قصة أبي لبابة يروي القمي في تفسيره . . . فلما كان بعد ذلك ورسول اللَّه في بيت أم سلمة نزلت توبته‌فقال : يا أم سلمة قد تاب اللَّه على أبي لبابة فقالت يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أفأؤذنه بذلك ؟ فقال : لتفعلن فأخرجت رأسها من الحجرة فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب اللَّه عليك فقال : الحمد للَّه‌فوثب المسلمون ليحلوه فقال : لا واللَّه حتى يحلني رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال يا أبا لبابة قد تاب اللَّه عليك توبة لولدت من أمك يومك هذا لكفاك فقال يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أفأ تصدق بمالي كله ؟ قال : لا ، قال : فبثلثيه ؟ قال : لا قال فبنصفه ؟ قال : لا قال : فبثلثه ؟ قال : نعم ، فأنزل اللَّه : وآخرون . . . خذ من أموالهم صدقة . . ألم يعلموا أن اللَّه هو يقبل التوبة . أقول : وأبو لبابة هذا هو الذي خان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حيث أرسله أميناً إلى بني قريظة لما حوصروا . فقالوا له يا أبا لبابة ما ترى أنزل على ما حكم محمد ، فقال : أنزلوا واعلموا أن حكمه فيكم هو الذبح وأشار إلى حلقه ثم ندم على ذلك فقال خنت اللَّه ورسوله ونزل من حصنهم ولم يرجع إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ومر إلى المسجد وشد في عنقه حبلًا ثم شده إلى الأسطوانة التي تسمى أسطوانة التوبة - إلى آخر القصة . .