الشيخ محمد الصادقي الطهراني
123
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
حيث يُظهر مَنّاً بِقالٍ أو فعالٍ ، والكل مشمولة ل « مناً » مهما شمل المن الظاهر « أذىً » فإنها أعم من ظاهر المن وسواه من أذىً . فكل منٍّ أو أذىً حين الإنفاق أم تباعاً له مرفوض في شرعة الإنفاق مهما لم يكن رئاء الناس ان أمكن كما في باطن المن دون إظهار ، فلا منَّ في الانفاق إسراراً ولا إعلاناً ، وكما لا أذىً على أية حال في إنفاق وسواه . فالفقير هو بطبيعة الحال يحسن المنَّ حين يُنفق عليه ، متأذياً من الفقر نفسه ، فكيف تمن عليه أو تؤذيه في إنفاقك مناً على مَنٍّ وأذىً على أذىً ؟ فإن ذلك يثقل عليه مَنُّه من فقره والإنفاق عليه ، فهما ليسا - فقط - ليحبطان إنفاقك فقرَه مالياً على ضوء سده نفسياً وحالياً . فالمن والأذى كما يسقطان الإنفاق - قرينين له - عن كونه في سبيل اللَّه ، كذلك يُحبطانه حين يُتبعانه وإنْ بعد زمن بعيد ، فيصبح الإنفاق في سبيل اللَّه نفاقاً وفي سبيل الشيطان ، مهما كان المن - فقط - في الطوية دون ظهور ، أقل إحباطاً وأكثر اثباتاً قد يُسقط فرض الإنفاق واقعياً وان لم يسقطه نفسياً . « 1 » والمن والأذى يبطلان الصدقةعلى أية حال : « يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس . . » . ثم المن والأذى المتبَعان قد يدلان على أن حالة الإنفاق قبلهما لم تكن صافية لوجه اللَّه ، ضافية في سبيل اللَّه ، مهما لم يصاحباه حينه ، ف « ما أضمر رجلٌ أمراً إلَّا وقد يظهر في صفحات وجهه أو فلتات لسانه » فالمضمَر في الضمير لا بد وأن يظهر يوماً مَّا حيث لا يتمالك الضامر ضميره عن بروزه . اذاً فذلك الإنفاق المُتبَع بالمن والأذى ، لم يكن بذلك السليم حينه ، مهما برزت علته بعد حينه ، ثم المنُّ - بعد ذلك كله - عنصر كريه ذميم لئيم ، وشعور واطٍ خسيس دميم ، فالنفس الإنسانية السليمة لا تمن بما أعطت من نعم اللَّه - الموهوبة له - إلا رغبة في الإستعلاء الكاذب ، أو رغبة في إذلال الآخذ ، أم لفتاً لأنظار الناس ، وذلك ثالوث منحوس من الإستعلاء البلاء الخواء والكبرياء البواء . فالمن - إذاً - هو أذىً للواهب والموهوب له ، استكثاراً للواهب ، واستكساراً للموهوب له ، ولم يكن اللَّه ليريد من امر الإنفاق مجرد سد الخلة المالية ، مهما كان إمر الجانبين بالمن والأذى ، بل وتزكية لنفوس المنفقين ، وترفيعاً لأنفس المنفَق عليهم وكأنهم هم المنفِقون ، رفعةً كبديلة عن فقرهم ، والمن يحيط هذا كله ، ويحول الإنفاق سماً لاذعاً وناراً محرقة ، وهو
--> ( 1 ) . نور الثقلين 1 : 283 عن المجمع روى عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : من أسدى إلى مؤمن معروفاً ثم آذاه بالكلام أو من عليه فقد أبطل اللَّه صدقته