الشيخ محمد الصادقي الطهراني
55
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فقد حسده إخوته فجعلوه في غيابت الجب ليغيب عن ذلك الإكرام والحب ، فاخذته السيارة ليشروه للعزيز ، فأكرم اللَّه مثواه في بيت العزيز ، وكادت به النسوة وامرأة العزيز لإدخاله في صغار الفجور أو « ليسجنن وليكونن من الصاغرين » فأصبح عزيزاً في السجن ، يؤوِّل الروءَّ ، وقد جعله اللَّه ذريعة لتخلُّصه عن التهمة وخلاصه عن السجن ، لحدّيثني الملك تطلبُّه إليه ويستخلصه لنفسه ، ويجعله على خزائن الأرض ، فيتوارى في ظل عزته العزيز الذي اذله ، وكل عزيز . لقد مكن اللَّه ليوسف أوّل مرة حين دخل بيت العزيز حيث قال لامرأته « أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون » « 1 » « ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين » . « 2 » وكأنه آنذاك - فقط - تمكين الخلاص عن غيابت الجب إلى أرض البلاط ، والتمكين العلمي والرسالي ولمّا يَحِن حين تمكينٍ لسلطته الزمنية تطبيقاً عزيزاً لرسالته . ولكنما الآن يمكِّنه بعد ذلك التمكين ، في الأرض ، أرض المملكة وحواليها ، لحد يتبوء منها حيث يشاء ، دون مشية فوقية تحده فيما يشاء ، إذ أصبح مطلق الاختيار في كل أرض المملكة ، كأن له السلطة العليا ، ولم يكن الملك لو كان له كون - إذ ذاك - أو كيان ، إلّا صورة فاضية وسلطة خاوية ليست له إرادة دون إرادته ولا مشيئة فوق مشيئته ! . لقد تعاضدت أعضاد الدولة والملة بأسباب قاطعة وتظاهرت وتواترت لخفضه فلم يزدادوه إلّا عزاً ، ولم يكن إلا ما أراده اللَّه « واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون » وهنالك حصحص حق الآية : « إن يمسسك اللَّه بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رادَّ لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم » . « 3 » أتراه لماذا « مكنا ليوسف » دون « مكناه » كما في آخرين في آيات أخرى ؟ :
--> ( 1 ) . 12 : 31 ( 2 ) . 12 : 22 ( 3 ) . 10 : 107