الشيخ محمد الصادقي الطهراني

381

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

تطلب من اللَّه تعالى أن يبني لها بيد الألوهية بيتاً في الجنة يعوضها به عن قصرها ، وأن ينجيها من شرّ الطاغية ( فرعون ) وهي ألصق الناس به ! ومن عمله ، وهي تعيش تحت رحمته ! ومن آله وأتباعه : « ونجِّني من القوم الظالمين » ! . وإنها لنموذج عالٍ في الإستعلاء على عَرَض الحياة وزَهرتها في أجمل صورة وأزهرها ، والتجرُّد للَّه‌من كافة الجواذب المتخلفة ، والهواتف المضللة ، والمعوقات القوية ، ولتسمح لنفسها أن تطلبه هذا الطلب العظيم : « ربِّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة » : ف « ربِّ » توحي باختصاصها بتربية خاصة إلهية تنجيها عن هذه الورطة المهلكة ، و « ابنِ لي » رفض لكل عامر ملائكي وسواه إلى معمار الكون أن يبني لها بيتاً بمشيئته دون وسائط ، و « عندك » لا تعني عندية مكانية فإنه تعالى ليس له مكان ، إنما عندية المكانة أن يبني بيتها في أرفع مكان وأعلى مكانة في الجنة حيث مسكن الأنبياء ! . ثم تطلب النجاة المثلث من : « فرعون » الجاهل « وعمله » الباطل و « من القوم الظالمين » الباطلين الجاهلين . ومتى تطلب ؟ هل بعد أن تأخذها الورطة الفرعونية إلى حزبه ؟ فكيف طلبت أولًا أقرب لأقربين ! كلا ! إنما تطلب نجاتها بالنزوح عن هذا الجو الطائش إلى جوار رحمة اللَّه ، أن يقبضها اللَّه إليه ، وقد كانت في اللحظات الأخيرة من حياتها تحت مختلف ألوان العذاب الفرعوني ، ومنها انه ( وتدَ لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها وأضجعها على صدرها جعل على صدرها رحى واستقبل بها عين الشمس ، فكانوا إذا فرقوا عنها أظلَّتها الملائكة ، فرفعت رأسها إلى السماء فقالت : « رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة - إلى - الظالمين » فكشف لها عن بيتها في الجنة فرأته ) . « 1 » « وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ

--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 246 - أخرجه من عدة طرق عن عدة من الأصحاب والتابعين