الشيخ محمد الصادقي الطهراني
336
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الموعظة ، فقد تتقدم لها الحكمة الحسنة ثم الموعظة ، أم تتقدم الموعظة الحسنة ثم الحكمة تربطها ، حسب اختلاف القلوب المهتدية في حاجياتها الدعائية . فإذا كانت الحكمة أو الموعظة سيئة انقلب إلى أضل مما كانت ، وإذا كانت حسنى الموعظة والحكمة ، فهي قمة الدعوة ولكنها ليست ضرورية ، فبحسَب الدعوة للمهتدين تكون الحكمة والموعظة الحسنة . ثم إذا كان الحوار مع من ضل عن سبيل ربك ، متعنتاً ضد الحق ، متفلتاً عنه ، متلفتاً إلى الضلال والإضلال ، فلا الحكمة الحسنة تنجه ، ولا الموعظة الحسنة تكفيه ، هنا يأتي دور الجدال بالتي هي أحسن ، ولا السيء ولا الحسن ، والجدال هي المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة وأصله من جدلت الحبل اي أحكمت فتله ، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد مجادله عن رأيه . أم هي الصراع وإسقاط الانسان صاحبه على الجَدالة وهي الأرض الصلبة . ولا يسمح في الجدال على أية حال إلا إذا لزم الأمر ، ولم تؤثر الحكمة والموعظة الحسنة الأثر المُرام ، ثم لا يسمح فيه إلَّا بالتي هي أحسن ، وطبعاً إذا أثرت الحسنى ، وإلا فحرباً حرباً : « ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا منهم » . فليطامن الداعية أمام من ضل من حماسه واندفاعه ، فلا يتحامل عليه ولا يُسيءَ إليه ، بل ويُحسن كأحسن ما يُرام حتى يطمئَن إليه ، ويشعر ان ليس هدفه القضاء عليه ، فما هو ميدان مصارعةٍ يصرع كلٌّ خصيمه بمختلف الحيل ، وإنما الهدف في الحوار كشف القناع عن الحق ، سواء أكان مع الداعية أو المدعو ف « إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين » . فالنفس البشرية - ولا سيما الضالة المعتدية غير المهتدية - لها كبرياءها وعنادها ، فهي لا تتنازل عما ترتيه إلا برفق ، كيلا تشعر في صراعه بهزيمة ، فإنها - بطبيعة الحال - تعتبر التنازل تنازلًا عن هيبتها وحرمتها وكيانها ، والجدال بالتي هي أحسن تُطامن من هذه الكبرياء والحساسية المرهفة ، وتُشعر المجادل أن حرمته مصونة ، وقيمته كريمة