الشيخ محمد الصادقي الطهراني
283
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
بواجب الجهاد ! ولا يرفع عن النبي الذي كلُّ حياته جهاد ! ومن أقرب ما يعارض هذه الفرية الفاتكة نفس الآية : « ومَن يفعله منكم فقد ضلّ سواء السبيل » . ثم هذا الخطاب اللطيف العتاب يجعل من هذا المؤمن الجاهل الضعيف مؤمناً عارفاً قوياً نادماً على ما افتعل ، وينبّه سائر المؤمنين ألا يفعلوا فعلته ، مبيناً مع الآيات التالية أخطارها : « إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ » . « 1 » إن عداء هؤلاء الأعداء لكم مركوز في كيانهم وقلوبهم المقلوبة ، مهما تظاهروا بالولاء ، بغية مساندتكم إياهم ، إلقاءً بالمودة لهم أسرار الرسول صلى الله عليه وآله ، ولكنه يظهر لكم ببسط أيديهم وألسنتهم بالسوء إليكم « إن يثقفوكم » : يظهروا عليكم ، وهذه الصيغة المضارعة بعد أداة الشرط « إن » تشير إلى التحذير من مستقبل الثَّقف الذي يعدُّه المؤمن على نفسه بجهالة التصرفات الفوضى ، كما أن مضيّ « ودُّوا » إيحاءٌ إلى تعمُّق هذا الودّ قديماً في نفوسهم - دون رباط بشرط الثقف ، إلا أن « لو » الدالة على امتناع مدخولها ، تكافح هذا الخطر الكامن ، ما دام المؤمنون متمسكون بعروة الإيمان . وبما أن البسط مقابل القبض ، فبسط الألسن هو إظهار الكلام السيء ، فيهم بعد زمِّ الألسن عنهم ، فيكون الكلام كالشئ الذي بُسط بعد انطوائه واظهر إن المفاصلة بين المسلمين والكفار قاطعة شاملة ، ثم بينهم وبين المستسلمين المنافقين قلبية فحسب ، ثم بينهم وبين فرقاءهم في الإيمان مواصلة شاملة دون أية مفاصلة ، والمودة الموعودة تشمل المواصلتين . ان حرمة الموادة تتركز على المعادين المحاربين ، دون الكفار المسالمين ، فعاشروهم بالمعروف وأقسطوا إليهم علّهم يؤمنون : « لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ
--> ( 1 ) . 60 : 2