الشيخ محمد الصادقي الطهراني
265
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
ويكتبون ، ولكن محمداً ما كان يكتب أو يقرأ فقد ينساه ، فيطارده قوله تعالى : « سنقرئك فلا تنسى » . « 1 » ولئن سألت فما هو الفارق بينها وبين القرآن في فرق التنزيل وجمعه ؟ أوَلم يكن النبيون من قبل بحاجة إلى تثبيت فؤادهم في ترتيل وحيهم ، وهم أحوج منه بكثير ؟ فالجواب : أن الفارق الأصيل هو أن القرآن آية معجزة بنفسه دون سائر الوحي ، فليحشر زمن الرسول على طول ، ليعيش آية رسالته ما دام حياً دونما انقطاع ، وكما يعيشها المكلفون بعده حتى القيامة الكبرى ، وأنه كتاب معرفة خالدة زائدة على سائر الوحي ، فليثبت فؤاد الرسول وأفئدة المؤمنين بترتيله ، وسائر الوحي أحكام لا تحمل إنباءات غيبية إلا نذراً قليلًا ، وليس فيها نسخ وهو كائن في القرآن ، فهو بميِّزته في منازل عدة يمتاز بنجومه . . . في تنزيله . وأن سائر الوحي تحمل احكاماً تعبدية بسيطة ، تعبِّد الطريق للشرعة الأخيرة الخالدة القرآنية . وعلى الجملة ف « لنثبت به فؤادك » على سند الرسالة في كل سنِّيها ، وتثبيت لمزيد العلم والمعرفة له ، وتثبيت فؤاده على الدعوة به ترتيلًا ، وتثبيت وحيه أنه ليس منه ، ولو كان لما كان ينتظر الوحي دائباً « ورتلناه ترتيلًا » لك وللمرسل إليهم : « ورتل القرآن ترتيلًا » . لذلك فعلينا نحن العائشين بعد زمن الرسول أن نترتل في القرآن رويداً رويداً ، ونرتله على الناس ترتيلًا ، دون أن نترسل في آياته كغزير الهاطل فنغرق في خضمِّها ، أو نرسل لطلابها فإذا هم غارقون فيها . ولقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يشارط من يتعلمون القرآن أن يتقنوه علماً وعملًا شيئاً فشيئاً ، دون تسرُّع لا في قرائتِه ولا في تعلُّمه ، وإنما ترتلًا وترتيلًا ليأخذ مواضعه من العقول والقلوب والأفئدة ، فتثبت عليه الأفئدة ، وتتحرك به القلوب ، فيصبح أمة
--> ( 1 ) . 87 : 6