الشيخ محمد الصادقي الطهراني
183
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
حَمَلة هذه الرسالة - معصومين وسواهم - مواصلة الدعوة الصابرة الصامدة أمام كافة الجاهليات ، غابرة متأخرة ، وحاضرة متحضرة ، حركة متواصلة وسبحاً طويلًا لاستنقاذ البشرية من مستنقعات الجاهلية الجهلاء : « فاستقم كما أمرت ومن تاب معك » « محمد رسول اللَّه والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم . . » . « 1 » ولقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء ذلك الدين المتين ، وانتكست البشرية إلى جاهلية هي أعرق وأحمق من الجاهلية الأولى ، حيث شملت كل جوانب الحياة دون إبقاء ، فإنها جاهلية علمية علمانية متحضرة تخيِّل إلى المجاهيل أنها تقدُّمية بيضاء ، رغم أنها رجعية سوداء ، ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض بكل جنبات الحياة ، فلا بد من كفاح صارم قدر المستطاع ، وبقدر ما اتسعت هذه الجاهلية في وجه الشرعة القرآنية بين أغارب وأقارب . ولقد تكفي الدعوة القرآنية صداً لكل الهجمات الجاهلية بكل معداتها المتحضرة فإنه كتاب الخلود : « أو لم يكفهم أنا أنزلنا إليك الكتاب يتلى عليهم . . » ؟ . ذلك ، وهنا حرج آخر داخل في النهي هو الحرج عما أنزل إليه إذا كان باطلًا أم خليطاً من الحق والباطل ، ولأنه « كتاب أنزل إليك » من ربك ، تأكيداً جاهراً أمام العالمين لكي يعلموا على علمه صلى الله عليه وآله أنه كتاب لا يحرِّج الداعية في الدعوة . فعصمة الداعية إلى عصمة مادة الدعوة هما يعصمانه عن أي خطإٍ قصوراً أو تقصيراً ، ثم عصمة الداعية عن أي تقصير ، على عدم عصمته عن قصور غير مقصر ، تعصمه عن كثير من الأخطاء . فأما إذا كانت مادة الدعوة غير معصومة ، أم هي معصومة والداعية مقصر أو قاصر بتقصير ، فهنالك الطامة الكبرى ، ولذلك نرى تأكيد الأمر بالشورى من الرعيل الأعلى الربانّي الأمة : « وأمرهم شورى بينهم » حتى يُجبِروا عدم العصمة للدعات غير المعصومين ، وهنا « للمصيب أجران وللمخطىء أجر واحد » إذا كان خطأ قضية عدم العصمة فقط ، دون الخطإِ القاصر عن تقصير .
--> ( 1 ) . 29 : 48