الشيخ محمد الصادقي الطهراني

15

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إن التسابق في الأعمال الحسنة هو الهدف لهذه الازدواجية من الموت والحياة ، وليست الحياة فقط هي الباعثة لهذا التسابق ، وإنما التي معها الموت علماً ، وبعدها واقعاً ، ومهما أنكر الإنسان حياة الحساب بعد الموت ، الذي لا ينكره أحد ، ولكن احتمال الحساب بعدُ قائم لا يمحى ، فليحسب العاقل له حساباً ، وكما يحسب كل تاجر حسابات في احتمالات الفائدة والضرر ، ولأن الموت يحمل هذه الذكرى الضرورية ، والبلوى العالية ، تقدَّم هنا على الحياة رغم تأخره في غيرها من الآيات ، إلا الذي هو قبل الحياة وليس فيه بلوى ! « كنتم أمواتاً فأحياكم » . « أيكم أحسن عملًا » والعمل هنا يعم عمل القلب - وهو أولى - وعمل القالب - هو أدنى - لأن القالب يتبع القلب ويتّبعه في عمله ، وليس كذلك القلب ، مهما تأثر هو بالقالب في خيره وشره . ثم العمل منه حسن ومنه أحسن ، كما أن منه سيّىء ومنه أسوء ، والغاية القصوى من بلوى الموت والحياة الوصول إلى واقع العمل الأحسن قلباً وقالباً ، وهو الذي يبتغى به وجه اللَّه كأعمال المقربين ، ودونه الأبرار الذين يريدون الآخرة ، فعملهم حسن ، كما أن الأسوء هو أعمال الكافرين الذين توافق سيآتهم نياتهم . ومن حسن العمل الأحسن نسيانه وعدم استعظامه ، كما أن من الأحسن ذكر العمل السيء فجبرانه . فالموت والحياة دليلان ، بما معهما من أدلة إلهية ، عقلية وفطرية وواقعية ، يدلان الناس اليقظين إلى العمل الأحسن ، فليس الموت قبل الحياة داخلًا في المعني من الموت الابتلاء هنا . هذا - وإن كان بالإمكان شمول الموت هنا لما قبل الحياة أيضاً ، بتأويل أنه مخلوق ضمن الكائن الميت ، « 1 » وكذلك الحياة غير الدنيوية فإنها حياة وأحيى من الدنيوية ، ولكنما البلوى ليست إلا في الحياة الدنيا لواقع الاختيار والتكليف فيها ، وفي الموت عنها

--> ( 1 ) . ولكن الخلق هنا يوحي بالاستقلال فلا يشمل الموت ضمن الكائن الميت