الشيخ محمد الصادقي الطهراني

141

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

تتوارثها الظلمة بالعهود ، أولهم قائد لآخِرهم مقتد بأولهم ، يتنافسون في دنيا دنية ، ويتكالبون على جيفة مريحة ، وعن قليل يتبرءُ التابع من المتبوع ، والقائد من المقود ، فيتزايلون بالبغضاء ، ويتلاعنون عند اللقاء ، ثم يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرَّجوف ، والقاصمة الزَّحوف ، فتزيغ قلوب بعد استقامة ، وتضِل رجاءٌ بعد سلامة ، وتختلف الأهواء عند هجومها ، وتلتبس الآراء عند نجومها ، من أشرف لها قصمته ، ومن سعى فيها حطمته ، يتكادمون فيها تكادم الحُمُر في العانة ، قد اضطرب معقود الحبْل ، وعمي وصية الأمر ، تغيض فيها الحكمة ، وتنطق فيها الظَلَمة ، وتدق أهلَ البدو بِمسحَلها ، وترضُّهم بكلكلها ، يضيع في غُبارها الوُحدان ، ويهلك في طريقها الركبان ، ترِد بمُرّ القضاء ، وتحلْب عبيط الدماء ، وتثلم مَنار الدين ، وتنقض عقد اليقين ، تهرُب منها الأكياس ، وتدبِّرها الأرجاس ، مرعادٌ مِبراق ، كاشفة عن ساق ، تُقطع فيها الأرحام ، ويفارَق عليها الإسلام ، بريُّها سقيم ، وظاعنها مقيم » . « 1 » ذلك ، ومن واجهة أخرى لأن خطاب التحدير التحظير عام يعم كافة المؤمنين ، إذاً ف « فتنة » عامة تشملهم أجمع بما ظلم ظالمهم ، كفتنة التفرق والتمزق من المفرقين بين المسلمين ، والإتقاء فيها درجات ، منها التقوى عن الدخول في الفتنة مسايرة معها أم عملًا أو عمالة لها ، ومنها الصد عنها نهياً عن نكيرها قدر المستطاع ، ففتنة المنكر الجماعي تشمل غير الظالمين الذين ظلوا عنها ساكتين لا يقومون بواجب الأمر والنهي ، وتشمل - شيئاً مَّا - القائمين بهما إذا لم يتمسكوا بكامل التقوى إمساكاً على إيمانه ، وكما تشمل القُصَّر العاجرين عن الأمر والنهي ، والتقوى العامة المفروضة على الكل في هذه الفتن ألّا يسقطوا فيها ، ثم المفروضة على الخاصة أن يزيلوها أو يقلِّلوها . ففي فتنة السلطات غير الشرعية زمنية وروحية تتساقط الشعوب بين أيديها قدَر تخاذلها أمامها ، تسايراً معها ، أم تركاً للمعارضة الممكنة ضدها ، أم فسحاً لمجال ظهورها في مظاهرها ، والتقوى العامة المفروضة على كل المؤمنين في هذه الفتن أن يتقوا السقوط

--> ( 1 ) . الخطبة 151