الشيخ محمد الصادقي الطهراني
97
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
سبيل اللَّه ، وتحقيقاً لخلافة اللَّه على الأرض ، دون إبقاءٍ على ما تهوى الأنفس إلّا هواه ، متجهاً بكله إلى اللَّه : بميول الفطرة - / أشواق القلب - / لَفَتات الروح قضاءً على كافة الفلتات . لقد قضى المسلمون الأولون عهدي الرسول صلى الله عليه وآله مكياً ومدنياً في تخوف واضطراب واضطرار ، تصبٌّراً على كل أذىً ولظى في مكة ، وخائفين في المدينة « يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح فصبروا على ذلك ما شاء اللَّه ثم إن رجلًا من الصحابة قال : يا رسول اللَّه ! أبد الدهر نحن خائفون هكذا ؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « لن تصبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة » ! وأنزل اللَّه هذه الآية فأظهر اللَّه نبيه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا فيه السلاح » « 1 » و « لما نزلت قال صلى الله عليه وآله : بشر هذه الأمة بالسَّنا ، والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب » « 2 » . فهل الآية تعني - / فقط - / تلك الفترة القصيرة بعد فتح مكة حيث وضعوا السلاح وأمنوا في الجزيرة العربية ؟ وهي واعدة استخلافهم في الأرض ، لا - / فقط - / في أرض الجزيرة ! إنها تعنيها فيما تعنيه من خلافة المؤمنين على درجاتها ، وتشهد له « كما استخلف الذين من قبلهم » إذ لم تسبق في الأرض كلها خلافة وسلطة إيمانية إلّا زمن النبيين داود وسليمان ولم تشمل كل المعمورة ، وخلافة ذي القرنين كذلك الأمر ! . خلافة الإيمان وسلطته على أرض فضلًا عن الأرض تتطلب شروطاً ليست هي - / فقط - / الإيمان وعمل الصالحات ، بل هي بشروطهما وشروطٍ آفاقية لا تتحقق إلّا
--> ( 1 ) ) . الدر المنثور 5 : 55 - / أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال كان النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه بمكة نحواً منعشر سنين يدعون إلى اللَّه وحده وعبادته وحده لا شريك له سراً وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة فقدموا المدينة فأمرهم اللَّه بالقتال وكانوا بها خائفين يمسون . . . وفيه اخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال لما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانوا لا يبيتون إلّا في السلاح ولا يصبحون الا فيه فقالوا : أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف الا اللَّه فنزلت . . . ( 2 ) ) . الدر المنثور 5 : 55 - / أخرج أحمد وابن مردويه واللفظ له والبيهقي في الدلائل عن أبي بن كعب قال : لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وعد اللَّه الذين آمنوا . . . قال : بشر . .