الشيخ محمد الصادقي الطهراني
63
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فيها لأنه فساد فإفساد فيها ، ويلات وويلات في دويلات مستعلية وسلطات متخلفة عن الحق ، وليس فاسد العلوِّ في الأرض يختص بالفرعوني وأضرابه ، بل والدَّينون أيضاً لا يحق لهم أيُّ علو ، فذلك علو أمام اللَّه ، وهذا علو أمام خلق اللَّه وكلاهما مرفوضان في شِرعة اللَّه : « تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَايُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » « 1 » فإذا كانت إرادة العلو في الأرض تُمانع الدار الآخرة ، فبأحرى نفس العلو فيها لأنه فساد فإفساد فيها ، فبمجرد أن الطاغية أحس - / ولمّا يلمس - / أن هناك خطراً يحدث بملكه من إسرائيل ، وهم مئات الألوف لا يمكن نفيهم عن البلاد ، ولا القضاء عليهم أجمع ، ابتكر حينذاك طريقة همجية جهنمية للقضاء على الخطر المحسوس من هذه الطائفة المنسجمة ، غير المعتقدة في ربوبيته الأعلى من نواحي أربع أن : « 1 جعل أهلها شيعاً » « 2 يستضعف طائفة منهم » - / « 3 يذبح أبناءهم » - / « 4 ويستحيي نساءهم » : « إنه كان من المفسدين » ومن خلفيات العلوِّ النحسة جعل الأهلين في أرضٍ شيعاً متفرقين ليذوق بعضهم بأس بعض ، فهم « مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً » « 2 » وبئس اللباس لباس الشيع للمجتمع : « أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ » « 3 » « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ » « 4 » « وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » « 5 » ، فالشِيَع والأشياع في الدين والدينين ما يزيِّفه الدين الحق ، اللهم إلّا شيعة الحق بلا أشياع متخلفين عنه أو مختلفين فيه ، وهذه شيطنة مدروسة من الطاغية في علوه ان « جعل أهلها شيعاً » متفرقين وهو من باب فرِّق تسد ، وبالإمكان حنيئذٍ أن يستضعف كلَّ الشِيع ، مهما كان استضعافهم دركات ، وقد كان من أسفلها استضعاف بني إسرائيل ، وكما « استخف قومه فأطاعوه » . فلقد فرق - / فيمن فرق بينهم من القاطنين في مصر - / شَعبَ إسرائيل ، حيث استقدم يوسف من قبلُ أبويه وإخوته وأهله أجمعين من كنعان إلى مصر فتكاثروا وأصبحوا شعباً
--> ( 1 ) ) . 28 : 83 ( 2 ) ) . 30 : 32 ( 3 ) ) . 6 : 65 ( 4 ) ) . 15 : 10 ( 5 ) ) . 54 : 51