الشيخ محمد الصادقي الطهراني

61

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ويعلموا أن الشرَّحين ويتمحَّض يحمل هلاكه ودماره في نفس ذاته ، إذ تتدخل القدرة الرحيمة الربانية لتأخذ بأيدي المستضعفين فتجعلهم أئمة وتجعلهم الوارثين ، وهنا حلقات خمس من عرض النبأ بين قصيرة وطويلة كلها قاصدة راشدة ، حلقة المولد وما أحاط به من قاسية راسية فرعونية ، وعناية ربانية ، ثم حلقة الفتوة وملابساتها في الجو الفرعوني ، ثم حلقة النداء الرسالية ، ومن ثم مواجهة فرعون الطاغية ، ثم العاقبة للمتقين غرقاً لفرعون بجنوده واستخلافاً لموسى بحشوده ، ولكل حلقة مشاهدها العدة : خمسة ثم تسعة ثم أربعة ، بينها فجوات وحلقات ومشاهد ، ما يثير العجب من دقة الأداء الفني للقصة . والأوليان هما الجديدتان في هذا العرض العريض ، إذ تكشفان عن مدى تحدي القدرة الفرعونية ، إخفاقاً لصوت الحق وإخماداً لثائرته في زَنَده ، ثم مدى القدرة الإلهية حيث تربّي قاصم ظهر فرعون في حِجره : « إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ » . إن الإفساد الفرعوني هنا مبني على قواعد خمس مهما اختلفت دركاتها : العلو في الأرض - / جعْلُ أهلها شيعاً - / استضعاف طائفة منهم - / تذبيح الأبناء - / استحياء النساء ، مهما كانت الأربعة الأخيرة من خلفيات الأولى . إن العلو في الأرض جعل أهلها شيعاً ، واستضعاف الشعوب ، هي من شيمة الطغاة الشنيعة على مدار الزمن ، فلماذا بعدُ تذبيح الأبناء واستحياء النساء : إبقاءهن أحياءً للخدمة ، وإزالة حياءهن ؟ لا بد وأن تكون هناك خوفة هارعة من الأبناء الإسرائيليين في ذلك التصميم العميم لإبادتهم ، استبقاءً للسلطة الفرعونية وكما يروى عن رسول الهدى صلى الله عليه وآله وأهل بيته الكرام عليهم السلام : « . . . فإن فرعون لما وقف على زولل ملكه على يد ( موسى ) أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه وأنه يكون من بني إسرائيل ولم يزل يأمر أصحابه بشق بطون