الشيخ محمد الصادقي الطهراني
254
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
من عمل الشيطان » « 1 » . وبذلك النمط التربوي الأليف والتصاعدي الطفيف اللطيف يحرم القرآن الخمر على المتعودين عليها في الأوساط الجاهلية ، وينجح في ذلك خير نجاح ، فقد التقط القرآن تعود السكر عن السفح الجاهلي السحيق وكانت الخمر إحدى تقاليدهم الأصيلة الشاملة ، العشيرة معهم ليل نهار . فلقد كانت الخمر ظاهرة متميزة للجاهلية الرومانية والفارسية والعربية كما هي اليوم للجاهلية المتحضرة الأوروبية والأمريكية فعالجها القرآن بذلك الترتيب التصاعدي في كل الجاهليات ، ولم تستطع السلطات الحديثة بكل قواتها وإمكانياتها أن تعالجها إلا معاكسة في المشكلة ، مزيداً عليها وتفلتاً عن سياجها « 2 » . ذلك ، وأما القرآن فقد قضى على هذه الظاهرة المعمقة في المجتمع الجاهلي ببضع آيات منه ، مهما صمد صامدون على شرب الخمر حتى نزلت آية المائدة . فالمنهج الرباني عالج المشكلة المتغلغلة في الخمر ببضع آيات في مرحلية تصاعدية بكل رفق وتؤدة وكسب تلك المعركة الشعواء العشواء دون حروب أو تضحيات وإراقة دماء ، والذي أريق في هذه المعركة كان فقط دنان الخمر وزقاقها وجرعاتها في أفواه
--> ( 1 ) ) . سورة المائدة ، الآية 90 ( 2 ) ) . في تنقيحات للسيد أبي الاعلى المردودي نقلًا عن كتاب « ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للسيد النووي » في السويد - وهي أرقى من أرقى أمم الجاهلية الحديثة - كانت كل عائلة في النصف الأول من القرن الماضي تعد الخمر الخاصة بها وكان متوسط ما يستهلكه الفرد حوالي عشرين لتراً وأحست الحكومة خطورة هذه الحال وما نشره من ادمان فاتجهت إلى سياسة احتكار الخمور وتحديد الاستهلاك الفردي ومنع شرب الخمور في المحال العامة . . ولكنها عادت فخففت هذه القيود منذ أعوام قليلة ! فأبيح شرب الخمر في المطاعم بشرط تناول الطعام ، ثم أبيحت الخمر في عدد محدود من المحال العامة حتى منتصف الليل فقط ! وبعد ذلك يباح شرب « النبيذ والبيرة » فحسب ! وإدمان الخمر عند المراقين يتضاعف . . . ! اما في أمريكا فقد حاولت الحكومة الأمريكية مرة القضاء على هذه الظاهرة فسنت قانوناً في سنة 1919 سمي قانون « الجفاف » من باب التهكم عليه لأنه يمنع « الري » بالخمر ! وقد ظل هذا القانون قائماً مدة أربعة عشر عاماً حتى اضطرت الحكومة إلى الغائه في سنة 1933 وكانت قد استخدمت جميع وسائل النشر والإذاعة والسينما والمحاضرات للدعاية ضد الخمر ، ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً من الدولارات ، وإن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على عشرة بلايين صفحة ، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاماً لا يقل عن 250 مليون جنيه ، وقد اعدم فيها 300 نفساً وسجن كذلك 532335 نفساً وبلغت الغرامات 16 مليون جنيهاً وصادرت من الأملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة بلايين جنيهاً وبعد ذلك كله اضطرت إلى التراجع والغاء القانون » !