الشيخ محمد الصادقي الطهراني

249

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

نزل تحريم الخمر - وهي عديل الشرك - والكؤوس المتدفقة على راحاتهم ، فحال أمر اللَّه بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة وكسرت دُنان الخمر فسالت في سكك المدينة ، مهما لم تكن آيات اللَّه إلا المائدة بياناً شافياً لمن شبقته الخمر إذ خمرته في ذات نفسه وعقله ! . « قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما . . . » . فهذه ضابطة ثابتة تحلق على كل المسائل الفقهية انه إذا كان الإثم في فعل أكبر من نفعه فهو محظور ، ولا سيما غير الواجب ، وبالأخص النفع التجاري ، والنفع النفسي أو الصحي الخيالي ، وليس للخمر والميسر منافع للناس إلّا هذان اللذان لولا الاثم الكبير ولا الصغير لما وجباً اقتصادياً ولا نفسياً فضلًا عن الإثم الكبير الذي هو مفتاح كل شر ! . فقد يربح صانع الخمر وبايعه اقتصادياً ، كما ينتفع شاربها تسليةً عن اضطراب في ذرة السكر ، حيث يصبح كالبهيمة همّها علفها وبطنها وفرجها وشغلها تقممها ثم لا يهمها ما يهم الإنسان كإنسان ، هدماً لصرح الإنسانية في هذه الفترة للنزول إلى شر درك من دركات البهيمية لكي يرتاح عن عبء الأفكار والتكاليف الإنسانية ! وأبعاد النفع نفسياً وصحياً وتجارياً كلها خاوية ، حيث التاجر للخمر قد يسكر بطبيعة الحال في شغله فيخسر طائلًا من المال في تجارة الخمر ما لا يجبر بطائل تجارته مرّات عدة ، والصحة البدنية إن صدقناها في بعض الحالات ، هي أقل بكثير من إثمها الكبير ، والنفع الروحي ارتياحاً عن العقلية الانسانية تخيُّل في تخبُّل ! . ففي دوران الأمر بين واجبين أو محرمين أم واجب ومحرم يؤخذ بأكبرها في شرعة اللَّه حاظاً عليه ، فضلًا عما يدور الأمر بين الإثم الكبير ومنافع للناس بين واقعية قليلة كالإقتصادية ، وخيالية عليلة كالتسلية ، في الخمر والميسر ، كاحمرار الوجه في الخمر والتفوق علي القرين في الميسر . وإذا كان الإثم - أياً كان - محرماً كما دلت ( 48 ) آية على حرمته ، مهما كان معارضاً باثم آخر إلّا أن يكون أكبر منه ، فكيف لا يكون الإثم الكبير محرماً ولا تعارضه إلّا منافع