الشيخ محمد الصادقي الطهراني
193
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
سلامة صاحب الرسالة مضمونة بذلك المبيت المبيَّت بوحي اللَّه إضافة إلى سائر الضمان بأمر اللَّه وكما قال اللَّه : « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللَّه واللَّه رؤوف بالعباد » « 1 » . فقد وجد صاحبه في الغار موقفاً أميناً متيناً للهجرة بمهجر النبي صلى الله عليه وآله فتراه بعدُ دخل الغار حفاظاً عليه صلى الله عليه وآله وقد صمم مراراً أن يتركه بين أعداءِه ويهاجر قبله إلى المدينة ؟ ! ذلك موقف متَّهم ! . وعلى أية حال لم نحصل لصاحب الغار في مصاحبته صلى الله عليه وآله في الغار أي افتخار إن لم نحصل له على عار ، إنما هو حتى الآن أول اثنين في الغار يصاحبه صلى الله عليه وآله للهجرة . وهنا « إذ هما في الغار » نصرة ثانية له صلى الله عليه وآله حيث العناكب عملت ستراً ضخماً على باب الغار فظن المفتشون عنه عند الباب أنه شغل سنين . « إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن اللَّه معنا » - « نصره اللَّه إذ أخرجه . . إذ هما في الغار إذ يقول . . » فهنا النصرة الربانية الثالثة للرسول لائحة من قوله لصاحبه « لا تحزن » فبدلًا أن يقول له صاحبه لا تحزن حيث هو المدار للفرار عن بأس المشركين ، فحزناً على نواجم الخطر ، يُطَمأن اللَّه قلب الرسول صلى الله عليه وآله ربطا عليه لحد يقول هو الأصيل في الحزن للبديل فيه الفصيل : « لا تحزن » فهذه نصرة ثالثة ل « ثاني اثنين » تقابلها نكسة لأول اثنين ، حيث حزن ببوادره وظواهره لحد قد يُخشى على ظهور الأمر للمشركين المتحرين عنه . وهنا صاحبه في الغار يحزن هكذا تلهبّاً وتقلّباً لحد ينهاه النبي صلى الله عليه وآله - وهو نهي عن نكير منكر - رغم أن هذا الخروج ضَمِن من خوارق العادات ما تبهر العقول ، وتُطَمئِن أصحاب العقول ، فقد خرج على عيون الأشهاد وما رأوه ، وفور دخوله الغار معه نسجت العنكبوت على باب الغار ستراً نهّاه المشركون إلى سنين « 2 » ، وهما نصرتان أوليان ، أفبعد
--> ( 1 ) ) . 2 : 207 ( 2 ) ) . الدر المنثور 3 : 240 - أخرج ابن سعد عن ابن عباس وعلي وعائشة بنت أبي بكر وعائشة بنت قدامة وسراقة بنتجعشم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا : خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والقوم جلوس على بابه فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يدرها على رؤوسهم ويتلو : يس والقرآن الحكيم - الآيات ومضى ، فقال لهم قائل : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمداً ، قال : واللَّه مر بكم ، قالوا : واللَّه ما أبصرناه وقاموا ينفضون التراب على رؤوسهم وخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهت إلى باب الغار فقال بعضهم أن عليه لعنكبوتاً قبل ميلاد محمد ، وأخرجه أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم التيمي أن النبي صلى الله عليه وآله . . . وفي بحار الأنوار 19 : 33 ، لما دخل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأبو بكر الغار أرسل اللَّه زوجاً من الحمام حتى باضا في أسفل الثقب والعنكبوت حتى نسج بيتاً فلما جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت قال : لو دخله أحد لانكسر البيض وتفسخ بيت العنكبوت فانصرف وقال النبي صلى الله عليه وآله : اللَّهم أعم أبصارهم فعميت أبصارهم عن دخوله وجعلوا يضربون يميناً وشمالًا حول الغار وقال أبو بكر : لو نظروا إلى أقدامهم لرأونا . . . وفي تفسير البرهان 2 : 125 ذكر الطبرسي في إعلام الورى في حديث سراقة بن جعشم مع النبي صلى الله عليه وآله قال : الذي اشتهر في العرب يتقاولون فيه الاشعار ويتفاوضونه في الديار انه تبعه وهو متوجه إلى المدينة فساخت قوائم فرسه حتى تغيبت قوائم فرسه وهو بموضع حدبٍ وقاعٍ صصف فعلم أن الذي أصابه أمر سماوي فنادي يا محمد أدع ربك يطلق لي فرسي وذمة رسول اللَّه أن لا أدل عليك أحداً فدعا له فوثب جواده كأنه أفلت من انشوطة وكان رجلا داهية وعلم بما رأى أنه سيكون له نباءٌ فقال : اكتب لي أماناً فكتب له وانصرف ، قال محمد بن إسحاق ، أن أبا جعل قال في أمر سراقة أبياتاً فأجابه سراقة نظماً : أبا حَكَم واللات لو كنت شاهداً * لأمر جوادي أن تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكَك بأن محمداً * نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه عليك فكف الناس عني فإنني * أرى أمره يوماً ستبدو معالمه أقول : وقصة سراقة مروية بعدة طرق ومنها ما في الدر المنثور من حديث أبي بكر في اتجاهه مع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى الغار : فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له فقلت يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : هذا الطلب قد لحقنا فقال : لا تحزن أن اللَّه معنا حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة فقلت يا رسول اللَّه هذا الطلب قد لحقنا وبكيت ، قال : لم تبكي ؟ قلت : أما واللَّه لا أبكي على نفسي أبكي عليك فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وقال : اللَّهم أكفناه بما شئت فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال : يا محمد إن هذا عملك فادع اللَّه أن ينجيني مما أنا فيه فواللَّه لأعمين على مَن ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بابلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لا حاجة لي فيها ودعا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فاطلق ورجع إلى أصحابه ومضى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأنا معه حتى قدمنا المدينة . .