الشيخ محمد الصادقي الطهراني

325

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الخيرة من أمرهم » ( 33 : 36 ) مع العلم أن خيرة الرسول إنما هي خيرة اللّه إذ لا يختار ما يختاره إلّايوحي من اللّه ، و « ما كان » نهي وليس نفياً يسلب عنهم أي اختيار . ومن اختياره تعالى أمرَ التشريع أن يختار الرسول الحامل لشرعته ، وأو صياءَه المحمَّلين تبيين شِرعته ، فكما له اختيار الرسول دون سواه ، كذلك له اختيار أوصياءه لا سواه ، وترى « ما كان لهم الخيرة » تنفي عنهم الاختيار في الأفعال التكليفية ؟ كلّا ! والاختيار فيها ثابت بدليل العقل والكتاب والسنة ، والاختيار المنفي عنهم يخص بما يختص اختياره باللّه ، كخيرة الخلق والأمر تشريعاً وسواه من أمر الخلق ، وكذلك الاختيار المطلق في الأفعال الاختيارية ، فللّه الاختيار المطلق في كل ما يختار ، وليس لنا مطلق الاختيار إذ قد تمنعنا موانع عما نختار ، ثم نختار صالحاً أو طالحاً لا يختاره اللّه تكويناً فهنالك يكلُّ الاختيار كما في ذبح إبراهيم ولده ، وفي حرقه عليه السلام بالنار ، إذ لم يؤثر الاختيار هنا وهناك . فالإختيار المنفي عنا في حقل التكوين هو الاختيار المطلق ، وفي حقل التشريع هو مطلق الاختيار ، فحين « لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين » لم يكن لنا في افعالنا الاختيارية الاختيار المطلق ، فإنه تفويض فإشراك باللّه في ذلك الاختيار « سبحان اللّه وتعالى عمايشركون » ، وحين لا شارع إلّااللّه : « أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه » ( 42 : 21 ) فمطلق الاختيار لنا في الشريع - وإنْ في حكم واحد - إشراك باللّه « سبحان اللّه وتعالى عما يشركون » . كما وأن اختيار الرسل وأوصياءهم الحَمَلة لرسالاتهم من غير اللّه إشراك باللّه فيحقل التشريع « سبحان اللّه وتعالى عما يشركون » . وقد استدل الإمام الرضا والقائم المهدي والإمام الصادق عليهم السلام بهذه الآية وسواها على انحصار نصب الإمام باللّه وانحساره عمن سواه « 1 » .

--> ( 1 ) . نور الثقلين 4 : 136 في أصول الكافي أبو القاسم بن العلا رفعه عن عبد العزيز بن مسلم عن الرضا عليه السلام حديث طويل في فضل الإمام وصفاتهن يقول فيه : هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم - إلى قوله عليه السلام - لقد راموا ضعبقاً وقالوا إفكاً وضلوا ضلالًا بعيداً ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة ، زين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ، رغبوا عن اختيار اللّه واختيار رسول اللّه إلى اختيارهم والقرآن يناديهم : « وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبجان اللّه وتعالى عما يشركون » وقال عز وجل : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا فضى اللّه ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من امرهم » . وفيه عن كتاب كمال الدين وتمام النعمة باسناده إلى سعد بن عبد اللّه القمي عن الحجة القائم « عليه السلام ) حيدث طويل وفيه : قلت فأخرني يا ابن مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفهم ؟ قال : مصلح أم مفسد ؟ قلت : مصلح ، قال : فهل يجوز ان تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟ قلت : بلى ، قال عليه السلام : فهي العلة وأوردها لك ببرهان ينقاد لك عقلك ثم قال عليه السلام : اخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه عز وجل وانزل عليهم الكتاب وأيدهم بالوحي والعصمة إذ هم اعلا الأمم ، أهدى إلى الإخيتار منهم مثل موسى وعيسى عليهمها السلام ، هل يجوز مع وفور عقلهما إذ هما بالاختيار ان تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان انه مؤمن ؟ قلت : لا يقال : هذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه عز وجل سبعين رجلًا ممن لا يشك في ايمانهم واخلاصهم فوقع خيرته على المنافقين قال اللّه عز وجل : « واختار موسى قومه سبعين رجلًا ليمقاتنا - إلى قوله - لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم » فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه عز وجل للنبوة واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد علمنا أن الاختيار لا يجوز أن يفعل إلا من يلعم ما تخفي الصدور وتكن الضمائر وتنصرف إليه السرائر وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والاأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح » ! ، وفي تفسير الفخر الرازي 25 : 14 روى أبو امامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال : كان قارون من السبعين المختارة الذين سمعوا كلام الله تعالى . وفيه عن مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام في كلام طويل : وتعلم أن نواصي الخلق بيده فليس لهم نفس ولا لحظة إلّابقدرته ومشيته وهم عاجزون عن اتيان أقل شيء في مملكته إلا باذنه وارادته قال اللّه عز وجل : « وربك يخلق . . »