الشيخ محمد الصادقي الطهراني
16
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وترى ما هو وجه التكرار في « سلاماً » ؟ قد يكون رمزاً إلى مختلف السلام من اللَّه ومن أهل دار السلام ، أو انه سلام لا يحمل ساماً كما في سلام المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، وإنما سلام يحمل سلاماً بكل ما له من معنى صادق لائق ، وقد يكونان هما المعنيّان . ثم ومن هنا نتبين أن « سلاماً » خير تحية وإكرام ، فلنستنَّ بسنة أهل الجنة هنا فيسلم بعضنا على بعض . « وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين » 56 : 26 : هم أصحاب الميمنة المسبقين ، يؤتون كتابهم بيمينهم وكما عاشوا يمين الكتاب والدين ، وترى كيف سموا « أصحاب الميمنة » عند ذكر الأقسام ، و « أصحاب اليمين » عند ذكر الإنعام ؟ علَّه لأن الميمنة هي سبب اليمين ، فلولا ميمنة الدنيا ويمنها بيمينها ، لم يؤتوا في الآخرى كتابهم بيمينهم ، كما لولا مشأمة المشئومين يوم الدنيا لم يؤتوا كتابهم بشمالهم أو وراء ظهورهم . ثم وأصحاب اليمين لهم درجة بعد السابقين ، ترى « ما أصحاب اليمين » في حالهم وحِلِّهم وترحالهم ؟ . « في سدر مخضود » 56 : 27 : شجر النبق « يخضده اللَّه من شوكه » « 1 » فيستظل به أصحاب اليمين كذلك لكثرة غناءه في الإظلال ، لسعة ورقه وتداخله ، فكما اللَّه يبدل سيئاتهم حسنات ، يبدل سيئة السدر حسنة لكي ينتفعوا بما كان يُشيكهم بشوكه ، وليتبرّدوا وينتزهوا ببرده ، أو ويأكلوا من فواكهه . ان الحدائق في الجنان ظليلة * فيها الكواعب صدرها مخضود « وطلح منضود » 56 : 29 : شجر الموز « 2 » ، المقصود منه الثمر للاستغلال وهو من أقوى
--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 156 ، أخرج الحاكم وصححه البيهقي في البعث عن أبي أمامة قال كان أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقولون : ان اللَّه ينفعنا بالأعراب ومسائلهم ، أقبل أعرابي يوماً فقال يا رسول اللَّه ! لقد ذكر اللَّه في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى أن في الجنة شجرة تؤذي صاحبها ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وما هي ؟ قال : السدر فإن لها شوكاً ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أليس يقول اللَّه : في سدر مخضود ، يخضده اللَّه من شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمرة ، انها تنبت ثمراً يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر ( 2 ) . الدر المنثور 6 : 157 ، أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه في قوله « وصلح منضود » قال : هو الموز ، كما أخرج جماعة عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري والحسن وقتادة ومجاهد . وروي عن علي وأبي عبداللَّه عليهما السلام أنهما قرآ « وطلع منضود » وهذا زور وافتراء عليها عليهما السلام فإنه خلاف القرآن المتواتر فليضرب عرض الحائط ، وما أسخفه رواية تروى عن علي عليه السلام أخرجها ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قيس بن عبادة قال قرأت عن علي عليه السلام « وطلح منضود » فقال علي عليه السلام ما بال الطلح ، أما تقرأ وطلع ؟ ثم قال : وطلع نضيد ، فقيل له يا أمير المؤمنين ! أنحكها من المصاحف ؟ فقال : لا يهاج القرآن اليوم ( الدر المنثور 6 : 157 ) . أقول : ما هي دلالة طلع نضيد هناك على لزوم طلع - كذلك - في منضود هنا ؟ ولو كان طلعاً هنا فعلى إمام المسلمين أن يثبته طلعاً ويمحيه طلحاً ، فأمثال هذه الروايات ليست إلا زوراً من هؤلاء الذين يصرون على وصمة التحريف في القرآن ، وهم يستندون فيه إلى ما ينسبونه زوراً إلى الرسول والأئمة من آل الرسول عليهم السلام . رغم المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قرأ « وطلح منضود » كما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وفسره علي عليه السلام بالموز ، وتبعها الصحابة المذكورون مسبقاً ، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله في موضع آخر الموز من فواكه الجنة كما في كتاب صنعة أهل الجنة والنار عن أبي جعفر قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : . . . ان نخل الجنة . . . وموزها ورمانها أمثال الدلى . .