الشيخ محمد الصادقي الطهراني
84
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فالعلل المادية التي هي مولدات لمعاليلها ، هي مسانحة لها لا محالة فلا تلد إلَّاما في ذواتها ، ولكنها إذا كانت ذات إرادة وتصميم بإمكانها أن تولد ما تشاءمن ذاتها أم من ذوات أخرى ، وأما اللَّه تعالي وهو تجردي الذات فليس خلقه ولادة حتى يشابه خلقُه ذاته ، إنما هو خلق بالمشيئة ولا حد لها ولا حدود ، فكيف تنطبق عليه « الواحد لا يصدر منه إلَّاواحد » ؟ ! . ذلك ، في يهود هذه الأمة القائلين هذه المقالة هم أهود من سائر اليهود إذ هم ما غلَّوا يد اللَّه تعالي عما سوى الخلق الأوَّل مهما غلوها عن التدبير دائماً أو أحياناً . أو قد عنت اليهود الأغبياء فقر اللَّه في المال وكما « لقد سمع اللَّه قول الذين قالوا إن اللَّه فقير ونحن أغنياء . . » ( 3 : 181 ) فعلَّهم عنوا هنا نفس المعنى ، وهو في نفس الوقت تعريض بالمسلمين الفقراء في البداية أن إلههم فقير ، لا أن اللَّه الذي هم يعتقدونه فقير . فقد بان البون بين قيلة اليهود « إن اللَّه فقير - يد اللَّه مغلولة » وبين قيلة يهود هذه الأمة إن « الواحد لا يصدر منه إلَّاواحد » حيث غلُّوا يدي اللَّه عن كل خلق إلَّاالخلق الأوَّل الذي هو واحد كما أنه نفسه واحد لانطباق هذه القاعدة وقاعدة مسانخة العلة والمعلول ! . لقد قالت اليهود أمثال هذه القولة « إن اللَّه فقير » بمناسبات عدة منها فقر المسلمين الأولين ، ومنها أمثال قوله تعالي « من ذا الذي يقرض اللَّه قرضاً حسناً » ( 2 : 245 ) قائلين إن اللَّه الذي يستقرض من عباده الفقراء هو فقير - بطبيعة الحال - بل هو أفقر من هؤلاء الفقراء ، وكل ذلك تعريض جانبي بخصوص المسلمين نقمة منهم أنهم مسلمون ، فقد أخرجوا هذا القول مخرج الإستبخال للَّهسبحانه بسائر مخارجه ، وقد بلغ من غلظ حسهم الحيواني البغصيص ، وجلافة قلوبهم ألَّا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه تعريضاً وهو البخل بلفظه المباشر الجانبي ك « ربكم بخيل » فقالوا : « يد اللَّه مغلولة » - « إن اللَّه فقير » فإنه أشد وقاحة وتهجماً وكفراً . وهنا « غلت أيديهم » إخبار وليست دعاءً حيث اللَّه لا يدعوا ، فممن يطلب طلبه حين يدعوا ، اللَّهم إلَّاطلباً من نفسه أن يغل أيديهم أو طلباً من مؤمني عباده أن يتطلبوا منه غل