الشيخ محمد الصادقي الطهراني
52
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
فلأن اللَّه المجرد عن كافة الشؤون المادية غير محدود بصورة مطلقة فلامكان له أيّاً كان ، مفهوماً وواقعاً مهما اختلف المكانان ، حيث المحدود ليس ليحوي اللا محدود إلَّابانقلاب أحدهما إلى الآخر . وبأحرى من استحالة الوحدة في الكيان المفهومي هو الكيان الحقيقي الخارجي ، فلا هما من مصدر واحد حيث اللَّه ليس صادراً حتى يتحد في المصدر مع الصادر منه ، ولا تجانس بينهما أبداً حتى تصح الوحدة فيها ، وإن في شيء منهما لمكان التجرد الطليق للَّه ، ولامكان للَّه حتى يدخل في تسلسل الوجود ، فكل هذه الوحدات مستحيلة فضلًا عن الوحدة الشخصية ، بانقلاب الخالق خلقاً ، أو انقلاب الخلق خالقاً في قوسي النزول الإلهي والصعود الخلقي ، فإن فضية كلٍّ تجافيه عن كونه وكيانه ، وليس ذلك من الوحدة حيث إن غير المتجافي هو الباقي ، أم بقاءهما فكيف يصبحان واحداً وهو من وحدة النقيضين الذين ليس ليحمل أحدهما الآخر فضلًا أن يصبح هو الآخر ! . وهنا رابعة يدعونها لأنفسهم لأنهم هود أو نصارى تشريفاً بواسطة التهوّد والتنصُّر ، فهذه الرابعة لا تملك امراً إلا البراءَة عن عذاب اللَّه إكراماً لذلك الإختصاص . والقرآن يرد على هذه المزعمة الخاوية بحق عزير والمسيح ، وبحق الهود والنصارى أنفسهم : « قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء للَّهمن دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين » ( 62 : 6 ) حيث كانوا ولا بزالون يدعون اختصاصهم باللَّه ، فلهم خصيصة القرب إلي اللَّه ما لا يشاركهم فيها سائر الشعوب ، فليس ليعاملهم معاملته مع سائر الشعوب ، فلا يستهين بهم ولا يمس من كرامتهم كمن سواهم من المعاقبين بذنوبهم . وكذلك النصارى حيث حرروا أنفسهم في ترك واجبات وفعل محرمات بادعاءِ « أن المسيح إفتدانا من لعنة الناموسى إذ صلب لأجلنا » فقد تحمَّل شخصياً بصلبه ولعنه فيه كل لعنات الناموس ، فهم إذاً برآء من عذاب اللَّه مهما كثرت خطيئاتهم ! ومهما اختلفت جذور إدعاآتهم في عفوهم عن عذاب اللَّه ، ولكنهم متفقون في ذلك العفو المدعَّى وكأنهم من أبناء اللَّه وأخصّاءه بأي سبب كان .