الشيخ محمد الصادقي الطهراني
42
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الفضل والرحمة ما لم تناف العدالة « فإنك أنت العزيز » الغالب على أمرك غير مغلوب « الحكيم » حيث تضع عزتك في مواقف الحكمة دون ظلم ، ولا رحمة غير صالحة ، فإنك أنت أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة . وترى كيف سمح المسيح عليه السلام في ذلك الموقف الرهيب أن يلفظ بغفرٍ لهم وهم أولاء الذين نكبوه ومسّوا من كرامة للَّهفيما ارتكبوه ، وهو القائل : « إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » ( 4 : 48 ) وهؤلاء ممن أشركوا باللَّه إفتراءٍ على اللَّه وعلى رسول اللَّه ؟ علَّ الوجه في تلك السماحة في ذلك السماح أنهم ما كانوا كلهم مشركين مهما كانوا مشتركين في نقل هذه القولة عنه عليه السلام فعلَّهم انقسموا إلي أقسام كما هي الواقعة بين المنحرفين من المسيحيين ، من ناقل عنه عليه السلام هذه : غير قائل به ، أم قائل بالبنوة التشريفية للمسيح عليه السلام فالأمومة التشريفية لابن اللَّه بهذا المعنى ، أم غير قائل بهما بل هو عامل معهما معاملة عبد مع الرب ، إلتماساً منهما ما يُلتمس من اللَّه وهو شرك خفيف ، أم قائل بحقيقة البنوة له والأمومة لأمه ، أم قائل بتحول الإله من لاهوت الألوهية إلي ناسوت البشرية تمثلًا بالمسيح ، أماهيه من هرطقات كنسية جارفة هي دركات ، ولكنها لا تحسب كلها بحساب الإشراك باللَّه المصطلح في القرآن وهو عبادة الصنم أو الطاغوت . فمن الجائز أنه ذكر « إن تغفر لهم » بصوغ التشكك إعتباراً بجائز الغفر عند اللَّه عن بعض هذه الأخطاء . ذلك ، ومن الغَفر هنا أن يغفر لهم عن واقع فريتهم توفيقاً لهم للاستغفار والإنابة إلي اللَّه ، قبل موتهم ، إذ ليس في كلامه عليه السلام ما يدل على عمقهم في حمقهم ، أو يشير إلي أنَّ طلب الغفر لهم ينحو إلي ما بعد موتهم ، حيث دعى ما دعى بعد توفِّيه وقبل وفاته ، لكل هؤلاء الذين كانوا معه وإلي يوم الدين ، أن يغفر لهم إن استغفروا ، أو يوفقهم لكي يستغفروا ، فقد وقع دعاءه عليه السلام موقعه وهو أعلم بما وعى ودعى ، والجواب الصواب عما دعى هو ما : « قالَ اللّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا اْلأَنْهارُ خالِدينَ فيها أَبَدًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ ( 119 ) لِلّهِ مُلْكُ