الشيخ محمد الصادقي الطهراني
215
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
في لفظ السنة وحياً ، ولكن قرآنه - بين نطقه - « إنْ هو الا وحي يوحى » ليس فيه إلا وحي ، جملة وتفصيلًا ، معاني وجملًا ، نضداً وترتيباً وفي كل شيء . ترى وما هي النكتة في « يوحى » وفي « ان هو إلا وحي يوحي » كفاية لتأدية المعنى ؟ أقول : علها لكي لا يزعم أنه وحي ذاتي ، وحي الضمير الصافي ، وحي منه اليه ، وانما : وحي يوحى اليه من خارج الذات ، فوحي الضمير لا يوحى إلى صاحب الضمير ، انما هو وحي يتكون فيه نتيجة صفاته . ومن ثم فمن ميزان هذا الوحي ، ولا سيما في قرآنه المبين ، ان ليس معلمه إلا اللَّه : « علّمه شديد القوى » علّمه الوحي أو علم الوحي إياه شديد القوى : ربه لا جبرئيل . ترى إديراد التعريف بمتعلم الوحي الأخير وجاءه كلّ معارض نكير ، هل يؤتى باسم معلمه الأصيل وهو اللَّه ، أم باسم الوسيط في وحيه جبرئيل ؟ لو صحَّ انه علمه ! وليس تعلميه هو موضوع بحث بين مثبت ونكير ! لا ريب أن المقام يقتضي ذكر المعلم الأعلم - ف « شديد القوى » هو اللَّه لا جبرئيل . ثم جبريل ، مهما كان وسيطاً في الوحي المفصل أو معلمه فيه ، فلم يكن وسيطاً في محكمه ، ولا سيما وحي المعراج ، وقد عرج عنه الرسول صلى الله عليه وآله وحيداً إلى سدرة المنتهى ، وما فوقها ، « وهو بالأفق الأعلى . فأوحى إلى عبده ما أوحى » وهذه الآيات تخص وحي المعراج ضمن ما يعم وحي القرآن كله ، ومفصله ومجمله ، فلم يكن هناك جبرئيل حتى يكون معلمه ، إذ تركه صلى الله عليه وآله عند السدرة وقبل العرش قائلًا : « تقدم يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ! ليس لي أن أجوز هذا المكان ولو دنوت أنملة لاحترقت « 1 » فشديد القوى هو اللَّه وليس جبرئيل . ولئن كان جبرئيل معلمه صلى الله عليه وآله وحتى في وحي المعراج ، فليس الرسول كمتعلم عبداً لجبرئل ، إذاً فماذا يعنى من : « فأوحى إلى عبده ما أوحى » ولا مرجع مسبقاً لضمير الغائب هنا إلّاشديد القوى ، فهل أصبح جبرئيل الوسيط في الوحي معبوداً للرسول صلى الله عليه وآله ، وليس
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان ج 9 ، ص 224 في رواية ، ورواها في المناقب ابن عباس قال : فلما بلغ إلى سدرة المنتهى وانتهى إلى الحجب قال جبرئيل : تقدم يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ! ليس لي ان أجوز هذا المكان ولو ذنوت أنملة لاحترقت