الشيخ محمد الصادقي الطهراني
190
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الممكنة الصالحة وهي المعرفة القمة ، وعلى هامشها الرؤية المسؤولة الحمقاء ، فحين سمع - أم وسمعوا - : « لن تراني ولكن . . . » تأكدوا من عدم إمكانية لرؤيته المسؤولة لهم ، : فحين لا يستجاب موسى الرسول في تطلب هكذا رؤية فبأحرى هؤلاء البعيدون . فقد جمع موسى في سؤاله بين مستحيل ارؤيتة بناء على طلبهم بإذن اللَّه ، وبين الرؤية الممكنة لمن سوى اللَّه في قمتها ، فلم يستقل في سؤاله كلًا منهما لوحدها ، تحشياً عن محظور ، ولكنه هيماناً لمعرفة عليا ، وتطبيقاً لأمره تعالى بسؤاله الرؤية المقترحة ، يقول : « رب أرني أنظر إليك » فإن فيه جماع الأمرين الإمرين ، ثانيهما أمرُّ من الأوّل لأنه سؤال الجاهلين ، وأوَّلهما يحمل رجاءً إذا لم يَرَهو من نفسه أن يصل بجهاده ووجهوده إلى المعرفة القمة المحمدية ، فتطلب من ربه أن « أرني » أنت كموسى على محتدك المحدد بالمعرفة الموسوية ، ولا هم أياً كانوا بالرؤية البصرية . وقد ترتسم رؤية الرب في مربع : مستحيلة ذاتياً ببصر العين المعاينة أم ببصيرة مدركة محيطة بالرب ، أو مستحيلة نسبياً كالرؤية المعرفية ما فوق الطاقة والمقدرة المقررة لمن دون المعصومين عليهم السلام . ثم ممكنة مأمور بها كأصل المعرفة ، وقد تطلب موسى لنفسه الرؤية القمة التي هي فوق كيانه المعرفي وعلى هامشها الرؤية البصرية المقترحة من قومه فجاء الجواب « لن تراني » والأصل رؤيته الخاصة ، وهي المناسبة ل « ولكن انظر إلى الجبل . . » دون المستحيلة ، فإنها مبرهنة البطلان والاستحالة دون حاجة إلى برهنة حسية . ذلك ، فلا موقع لعرفانيات خرفانيات وفلسفيات تتعدى عن طور المعرفة الصالحة إلى خرافة الحلول ، أو الوحدة الحقيقة للوجود خالقاً ومخلوقاً وما أشبه من هذه الهرطقات البعيدة عن العقلية والفطرة المسلمية ، وعن نصوص الكتاب والسنة . فثالوث الصلاحات المنطقية والفلسفية والعرفانية ، هي خارجة عن دور معرفة اللَّه الصالحة . « 1 »
--> ( 1 ) . من قيلاتهم الغيلات الويلات « بسيط الحقيقة كل الأشياء » توحيداً بين الحقيقة البسيطة الإلهية وكافة المركبات الخلقية ! ويقول ابن العربي : « سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها » اعباراً انه التوحيد الحقيقي وكما يعتبر الثالوث عند المسيحيين هو التوحيد الحقيقي المعبر عنه بتوحيد التثليث ويقول : « فإن قلت بالتشبيه كنت مشبهاً وإن قلت بالتنزيه كنت معطِّلًا وإن قلت بالأمرين كنت مسوداً وكنت إماماً في المعارف سيداً . ويقول صدر الدين القونوي : « فقل اللَّه وما سواه على بحت » وعلى ضوء وحدة حقيقة الوجود والموجود يقولون ما يعنيه : « گرم مسلم بدانستى كه بت چيست . يقين كردى كه دين در بت پرستى است . ويقول ابن العربي « إن اللَّه شاء أن يعبد في كل صورة » وقال في قوله تعالى : « وقضى ربك ألّا تعبدوا إلا إياه » بأن : « هذه قضاوة تكوينية ، أي واقع الأمر كذلك ، فعبدة الأوثان والأصنام عبدة اللَّه » وقال أيضاً : إن فرعون قد غرق في بحر التوحيد ، وقال في الفص الهاروني من كتاب فصوص الحكم : إن غضب موسى على هارون إنما كان لأجل منع هارون بني إسرائيل عن عبادة العجل ، وعن إلقاءه التفريق بينهم حيث كانوا عبدة اللَّه ، فلهذا أخذ موسى بلحية هارون !