الشيخ محمد الصادقي الطهراني
171
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وأعلم فكره ، ليعلم كيف أقمت عرشك ، وكيف ذرأت خلقك ، وكيف علَّقت في الهواء سماواتك ، وكيف مددت على مور الماء أرضك ، رجع طرفه حسيراً ، وعقله مبهوراً ، وسمعه والهاً ، وفكره حائراً » ( 158 / 280 ) ف « لا تدركه العيون بشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان » ( 177 / 320 ) . « قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفيظٍ » ( 6 : 104 ) : « بصائر » جمع بصيرة ، وعلّها هنا فاعلة مبصرة ومفعولة ، حيث الآيات القرآنية آيات ربانية مبصرة ربانيتها بنفسها ، مبصرة كل الحقائق التي يتوجب على المكلفين معرفتها ، وقد تعني « بصائر » كافة البصائر مهما كانت القرآنية منها أعلاها . تلك البصائر الجائية كل المكلفين إلى يوم الدين : « . . . قل إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي هذا بصائر من ربكم ورحمة لقوم يؤمنون » ( 7 : 203 ) وهي شريعة من الأمر : « ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها . . هذا بصائر للناس وهدىً ورحمة لقوم يوقنون » ( 45 : 20 ) . « هذا » هنا إشارة - فيما تشير - إلى القرآن ككل ، وحدة جامعة لآياته ، و « بصائر » خبر للقرآن إعتباراً بآياته البصائر ، والرسول صلى الله عليه وآله والذين معه حملًا للمسؤولية الرسالية الإسلامية يدعوا ويدعون على بصيرة هي بصيرة وحي القرآن : « قل هذه سبيلي ادعوا إلى اللَّه على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان اللَّه وما أنا من المشركين » ( 12 : 108 ) . وكما « الإنسان على نفسه بصيرة » ( 75 : 14 ) كذلك آيات اللَّه بصائر ، فكلٌ من الداعية والمدعو بصيرة ، دون أية عمىً إلَّاما يختلقه الإنسان من غشاوة وغباوة . فالقرآن ليس بحاجة للشهادة على وحيه إلى بصيرة أخرى دونه ، بل هو الشهيد بين اللَّه وبين الناس لرسالة المرسل به : « قل أي شيء أكبر شهادة قل اللَّه شيهد بيني وبينكم وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ . . » ( 6 : 19 ) . اجل ، فالبصائر ليست جمع الباصرة الخاصة بالعين الظاهرة ، بل هي جمع البصيرة ، فطرية وعقلية وعلمية وحسية ، بالوحي أماهيه ، فلا عمىً فيها اللهم إلَّابتعمية عليها و