الشيخ محمد الصادقي الطهراني
16
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
أحبارهم ورهبانهم ، حيث أطاعوهم كما يُطاع اللَّه مشرِّعاً ، فاتخذوهم أرباباً في حقل التشريع ، فأصغوا إليهم كامل الصغي فيما أحلوا أو حرموا « 1 » ، وفي الفصل بين « أخبارهم ورهبانهم » وبين « المسيح ابن مريم » تلميح لاختلاف الإتخاذين ، كما أن « ابن مريم » تستأصل الأخير ، ذلك ومن أحبارهم ورهبانهم من يخيّل إليهم أنهم نواب المسيح عليه السلام في البنوة الآلهية أو الآلهية نفسها نسخة طبق الأصل ، بما يشربون الخمر ويأكلون الفطير ، بأن الخمر دم المسيح والفطير لحمه ، فهم يصبحون - إذاً - نفس المسيح عليه السلام وقد ندد بهم المسيح عليه السلام في نقل الإنجيل بقوله : « أفلا تفهمون بعد أن كل ما يدخل الفم يمضي إلى الجوف ويندفع إلى المخرج » ( متى : 51 : 17 ) . ذلك ، وكل اتخاذة لغير اللَّه كما اللَّه في ربوبية من ربوبياته ، ذلك إشراك باللَّه فيما يختص به اللَّه ، فكما التوحيد درجات كذلك الإشراك باللَّه دركات « سبحانه عما يشركون » باللَّه في ذات أم أفعال أم صفات ، تسويةً لخلق اللَّه باللَّه ، وهي ككل ضلال مبين : « تاللَّه إن كنا لفي ضلال مبين . إذ نسوّيكم برب العالمين » 26 : 98 ) . فهنا مشركون رسميون وهم عبَّاد الأوثان بصورة رسمية ، وهناك مشركون دخلاء قد يعبدون غير اللَّه زعم أنه اللَّه كما المسيح ، أو يطيعون غير اللَّه كأنه الرب في التشريع ، كما « اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللَّه » ، أو يميلون إلى غير اللَّه مع اللَّه كالذين يراءون في عبادتهم ، ثالوث من الإشراك ، ثم الأوسط مرحلة ثانية هي مع المنحرفين عن التوحيد من أهل الكتاب ، ثم الأخير يحلق على كل هؤلاء المرائين . ولقد يروى عن الرسول صلى الله عليه وآله تفسيراً للآية : « أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا
--> ( 1 ) . في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليهما السلام في قوله : « اتخذوا أحبارهم . . . » أما المسيح فعصوه وعظموه في أنفسهم حتى زعموا أنه اللَّه وأنه ابن اللَّه وطائفة منهم قالوا : ثالث ثلاثة ، وطائفة منهم قالوا : هو اللَّه ، وأما أحبارهم ورهبانهم فإنهم أطاعوا وأخذوا بقولهم واتبعوا به ما أمروهم به ودانوا بما دعوهم إليه فاتخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم وتركهم أمر اللَّه وكتبه ورسله فنبذوه وراء ظهورهم وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتبعوه وأطاعوهم وعصوا اللَّه ورسوله ، وإنما ذكر هذا في كتابنا لكي نتعظ بهم فعيَّر اللَّه تبارك وتعالى بني إسرائيل بما صنعوا ، يقول اللَّه تبارك وتعالى : « وما أمروا ألا ليعبدوا إلهاً واحداً سبحانه وتعالى عما يشركون »