الشيخ محمد الصادقي الطهراني

154

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

في ارتجاج ، ولا سيما في ختامها حيث يخبرهم عن مستقبلهم أسفاً على ماضيهم وحالهم ولات حين مناص : « فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْري إِلَى اللّهِ إِنّ اللّهَ بَصيرٌ بِالْعِبادِ » ( 40 : 44 ) . لم يبق علىَّ بعد هذه الحوار من شيء « فستذكرون » هنا وفي الأخرى « ما أقول لكم » ولا تنفعكم الذكرى « وأفوض أمري » في مكرهم عليَّ « إلى اللَّه » فلا قوه إلَّاباللَّه « إن اللَّه بصير بالعباد » بصير بمن يدعو إليه ما أمكنه لحدِّ الخطر على نفسه ونفيسه ، وبصير بمن يصر في إنكار واستكبار ، فلا بد وأن ينصره عليهم وكما فعل فقد كان هناك تخاوف ، إخافة من آل فرعون وإجابة عنها ب « فستذكرون . . وأفوض أمري إلى اللَّه . . » . وترى ما هو الأمر الذي يفوَّض إلى اللَّه ، ولا تحمله إلَّاهذه الآية في سائر القرآن ؟ « أمري » لا تعني كلَّ أمر ، فإنما هو أمر الحياة في خطورتها عقيب هذه الدعوة الصارمة وليس بيده ، وأمر الدعوة حيث بلغت إلى آخر المطاف فلا حول له ولا قوة إلَّاكما فعل ، فليس هو أمر التكليف أن ينسحب المكلف عن أمره وهو في باستطاعته فيفوّضه إلى اللَّه ، ولا الأمر الذي ليس منه ولا إليه مما يختص باللَّه فإنه كله للَّه‌ليس لأحد فيه أمر سواه ، إذاً فهو امرٌ بين أمرين ؛ أن يواصل في تحقيق ما حمِّل كما يتطيع ، ويفوض أمره إلى اللَّه فيما لا يستطيع ، اقتساماً لأمره بين أمرين ؛ مهما كان متوكلًا عليه في كلا الأمرين ، فليس التفويض - وهو الرد - إلَّابعد تقويض ، دون الأمور المستطاعة المحولة إليك ، ولا يقر المستطاعة المستحيلة عليك ، فلا رد فيها إلى اللَّه ، وإلَّافيما لا قوة فيه إلَّاباللَّه وقد حول إليك . « أفوض أمري » هذا « إلى اللَّه » لا سواه ولا فوضى جزاف ف « إن اللَّه بصير بالعباد » حيث يأمرهم بما لا يستطيعون إنهاءه وإكماله ، فأنا قد عملت بواجبي كما أمرت ، ثم اللَّه يكفيه فإنه الكافي لا كافي سواه . فقد يريد اللَّه أن أقتل دون دعوتي ولكي أفوز أنا وتفوز دعوتي ، كما قُتل الكثير من دعاة الحق دون دعوتهم إلى الحق ، أم يريد الإبقاء عليَّ تعجيزاً لعدوّي ، أم وإفناء عدوّي بعدي و