الشيخ محمد الصادقي الطهراني

119

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ربهم » . وكما ليس « ليعلم » من العِلم ، كذلك لا يرجع ضميره إلي الرصد فإنهم جمع وهو مفرد ، ولا إلي محمد صلى الله عليه وآله إذ لم يسبق له ذكر « إلا من ارتضى من رسول » وهو جمع يجمع الرسل أجمع ، ولأن وحدة السياق تحكم أن صاحب الضمير في الأحوال الثلاث « يعلم - أحاط - احصى » واحد ، وهو اللَّه الذي أحاط بما لدى الرسل وأحصى كل شيء عدداً . فهو الذي يسلك بين يدي الغيب والرسول ومن خلفه ، رصداً مراقبين ، ليجعل هذه الرقابة الشديدة على غيب الوحي علامة : ان قد أبلغوا رسالات ربهم : حال أنه أحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عدداً ، فليس هو بحاجة إلي علامة البلاغ ، وإنما رسله الملائكة والبشر وكذلك المرسل إليهم . « ليعلم ان قد أبلغوا رسالات ربهم » : « يعلم » غاية لسلك الرصد ، و « أبلغوا رسالات ربهم » يلمح لحدود الغيب الإلهي الذي يظهر عليه رسله ، انه ليس إلا للبلاغ ، بلاغ الرسالة بغيب المعجزات ، وبلاغ الرسالات بغيب التشريعات ، دون أن يصبح علمهم بغيب اللَّه أو غلبهم به عملياً ، يصبح من الكمالات الذاتية والحظوظ العقلية والعلمية ، فلا تعني الآية ظهور الرسل على كل غيب ، ولا الغيوب التي لا تمت بصلة ورسلالاتهم ، وإنما التي تهمهم كرسل مبلّغين عن اللَّه ، لا كمرتاضين يخبرون عن الغيوب العادية لحظوظ نفسانية وغايات تجارية وسابقات في ميادين المفاخرات . فلئن سئلنا - أذاً - لو كان الظهور على غيب اللَّه خاصا بمن ارتضى من رسول فكيف يعلمه المرتاضون غير المرسلين ، مرضيين وغير مرضيين ؟ وكيف يعلمه الأئمة المعصومون وهم ليسوا بمرسلين ؟ والجواب كما لمحمنا اليه مسبقاً ، ان المعنى من غيب اللَّه أن يحصل بأي سبب من تعلم وارتياض إلا بالوحي ، وليست غيب المرتاضين من غيب الوحي فهو يحصل بصناعة الإرتياض للمؤمن والكافر سواء . واما الأئمة المعصومون فليس غيبهم بالوحي وإنما بما أودعهم الرسول صلى الله عليه وآله من غيب الوحي . « 1 » وهم أبواب عامه واستمرار لكيانه الرسالي .

--> ( 1 ) . نور الثقلين 5 : 442 عن الإمام الصادق عليه السلام قال : ان للَّه‌عزوجل علمين : علما عنده لم يطلع عليه أحدا من خلقه ، وعلما نبذه إلي ملائكته ورسله ، فما نبذه إلي ملائكته ورسله فقد انتهى الينا . أقول : وهذا الحديث متواتر معنويا عنهم عليه السلام . راجع المصدر