ابن أبي الحديد
85
شرح نهج البلاغة
فإن قلت : فهذا يناقض مذهب المعتزلة في قولهم بالواجبات عقلا ، ولو لم تبعث الرسل ! قلت : صحة مذهبهم تقتضي أن تحمل عموم الألفاظ على أن المراد بها الخصوص ، فيكون التأويل : لئلا يكون للناس على الله حجة فيما لم يدل العقل على وجوبه ولا قبحه ، كالشرعيات ، وكذلك : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " على ما لم يكن العقل دليلا عليه حتى نبعث رسولا . الإعذار : تقديم العذر . ثم قال : إن الله تعالى كشف الخلق بما تعبدهم به من الشرعيات على ألسنة الأنبياء : ولم يكن أمرهم خافيا عنه ، فيحتاج إلى أن يكشفهم بذلك ، ولكنه أراد ابتلاءهم واختبارهم ، ليعلم أيهم أحسن عملا ، فيعاقب المسئ ويثيب المحسن . فإن قلت : الاشكال قائم ، لأنه إذا كان يعلم أهم يحسن ، وأيهم يسئ ، فما فائدة الابتلاء ؟ وهل هو إلا محض العبث ! قلت : فائدة الابتلاء إيصال نفع إلى زيد لم يكن ليصح إيصاله إليه إلا بواسطة هذا الابتلاء ، وهو ما يقوله أصحابنا ، إن الابتلاء بالثواب قبيح ، والله تعالى يستحيل أن يفعل القبيح . قوله : " وللعقاب بواء " أي مكافأة ، قالت ليلى الأخيلية : فإن تكن القتلى بواء فإنكم * فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر ( 1 ) وأبأت القاتل بالقتيل واستبأته أيضا ، إذا قتلته به ، وقد باء الرجل بصاحبه ، أي قتل به
--> ( 1 ) في مقتل توبة بن الحمير ، اللسان 1 : 29 .