ابن أبي الحديد

8

شرح نهج البلاغة

حكمت فما جرت في خلة * فحكمك بالحق بادي المنار فإن يسبعوك فسرا وقد * جهرت بسيفك كل الجهار ( 1 ) * * * قال : ونزل عثمان فأتى منزله ، وأتاه الناس وفيهم ابن عباس ، فلما أخذوا مجالسهم ، أقبل على ابن عباس ، فقال : ما لي ولكم يا بن عباس ! ما أغراكم بي ، وأولعكم بتعقب أمري ! أتنقمون على أمر العامة ! أتيت من وراء حقوقهم ، أم أمركم ، فقد جعلتهم يتمنون منزلتكم ! لا والله لكن الحسد والبغي وتثوير الشر وإحياء الفتن ! والله لقد ألقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك ، وأخبرني به عن أهله واحدا واحدا ، والله ما كذبت ولا أنا بمكذوب . فقال ابن عباس : على رسلك يا أمير المؤمنين ، فوالله ما عهدتك جهرا بسرك ولا مظهرا ما في نفسك ، فما الذي هيجك وثورك ! إنا لم يولعنا بك أمر ، ولم نتعقب أمرك بشئ ، أتيت بالكذب ، وتسوق عليك بالباطل . والله ما نقمنا عليك لنا ولا للعامة قد أوتيت من وراء حقوقنا وحقوقهم ، وقضيت ما يلزمك لنا ولهم ، فأما الحسد والبغي وتثوير الفتن وإحياء الشر فمتى رضيت به عترة النبي وأهل بيته ! وكيف وهم منه وإليه ! على دين الله يثورون الشر ، أم على الله يحيون الفتن ، كلا ليس البغي ولا الحسد من طباعهم . فاتئد يا أمير المؤمنين وأبصر أمرك ، وأمسك عليك فإن حالتك الأولى خير من حالتك الأخرى ! لعمري أن كنت لأثيرا عند رسول الله ، وأن كان ليفضي إليك بسره ما يطويه عن غيرك ، ولا كذبت ولا أنت بمكذوب ، إخس الشيطان عنك ، ولا ير كبك ، وأغلب غضبك ولا يغلبك ، فما دعاك إلى هذا الامر الذي كان منك !

--> ( 1 ) يسبعونك : يشتمونك .