ابن أبي الحديد

75

شرح نهج البلاغة

والغارم : من عليه الديون . ويقال : صبر فلان نفسه على كذا مخففا ، أي حبسها ، قال تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ) ( 1 ) . وقال عنترة يذكر حربا : فصبرت عارفة لذلك حرة * ترسو إذا نفس الجبان تطلع ( 3 ) وفى الحديث النبوي في رجل أمسك رجلا ، وقتله آخر فقال عليه السلام : " اقتلوا القاتل واصبروا الصابر " ، أي احبسوا الذي حبسه للقتل إلى أن يموت . وقوله : " فإن فوزا " : أفصح من أن يقول : " فإن الفوز " أو فإن في الفوز كما قال الشاعر : إن شواء ونشوة * وخبب البازل الأمون ( 3 ) من لذة العيش ، والفتى * للدهر ، والدهر ذو شؤون ( 4 ) ولم يقل : " إن الشواء والنشوة " ، والسر في هذا أنه كأنه يجعل هذا الشواء شخصا من جملة أشخاص ، داخلة تحت نوع واحد ، ويقول : إن واحدا منها أيها كان فهو من لذة العيش ، وإن لم يحصل له كل أشخاص ذلك النوع ، ومراده تقرير فضيلة هذه الخصال في النفوس ، أي متى حصل للانسان فوز ما بها ، فقد حصل له الشرف ، وهذا المعنى وإن أعطاه لفظة " الفوز " بالألف واللام إذا قصد بها الجنسية إلا أنه قد يسبق إلى الذهن منها الاستغراق لا الجنسية ، فأتى بلفظة لا توهم الاستغراق ، وهي اللفظة المنكرة ، وهذا دقيق ، وهو من لباب علم البيان .

--> ( 1 ) سورة الكهف 28 . ( 2 ) اللسان 6 : 107 ، بقول : حبست نفسا صابرة . ( 3 ) لسلم بن ربيعة ، ديوان الحماسة بشرح المرزوقي 3 : 1137 . ( 4 ) الحماسة : " ذو فنون " .