ابن أبي الحديد
57
شرح نهج البلاغة
لكم . قال المقداد : أما والله لقد تركت رجلا من الذين يأمرون بالحق وبه يعدلون ! أما والله لو أن لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إياهم ببدر وأحد . فقال عبد الرحمن : ثكلتك أمك ، لا يسمعن هذا الكلام الناس ، فإني أخاف أن تكون صاحب فتنة وفرقة . قال المقداد : إن من دعا إلى الحق وأهله وولاه الامر لا يكون صاحب فتنة ، ولكن من أقحم الناس في الباطل ، وآثر الهوى على الحق ، فذلك صاحب الفتنة والفرقة . قال : فتربد وجه عبد الرحمن ، ثم قال : لو أعلم أنك إياي تعنى لكان لي ولك شأن . قال المقداد : إياي تهدد يا بن أم عبد الرحمن ! ثم قام عن عبد الرحمن ، فانصرف . قال جندب بن عبد الله : فاتبعته ، وقلت له : يا عبد الله ، أنا من أعوانك ، فقال : رحمك الله ! إن هذا الامر لا يغنى فيه الرجلان ولا الثلاثة ، قال : فدخلت من فوري ذلك على علي عليه السلام ، فلما جلست إليه ، قلت : يا أبا الحسن ، والله ما أصاب قومك بصرف هذا الامر عنك ، فقال : صبر جميل والله المستعان . فقلت : والله إنك لصبور ! قال : فإن لم أصبر فما ذا أصنع ؟ قلت : إني جلست إلى المقداد بن عمرو آنفا وعبد الرحمن بن عوف ، فقالا كذا وكذا ، ثم قام المقداد فاتبعته ، فقلت له كذا ، فقال لي كذا . فقال علي عليه السلام : لقد صدق المقداد ، فما أصنع ؟ فقلت : تقوم في الناس فتدعوهم إلى نفسك ، وتخبرهم أنك أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وتسألهم النصر على هؤلاء المظاهرين عليك ، فإن أجابك عشرة من مائة شددت بهم على الباقين ، فإن دانوا لك فذاك ، وإلا قاتلتهم وكنت أولى بالعذر ، قتلت أو بقيت ، وكنت أعلى عند الله حجة . فقال : أترجو يا جندب أن يبايعني من كل عشرة واحد ؟ قلت : أرجو ذلك ، قال : لكني لا أرجو ذلك ، لا والله ولا من المائة واحد ، وسأخبرك ، إن الناس إنما ينظرون إلى