ابن أبي الحديد

51

شرح نهج البلاغة

الباقيين كانا معي لم يغنيا عنى شيئا ، مع أنى لست أرجو إلا أحدهما ، ومع ذلك فقد أحب عمر أن يعلمنا أن لعبد الرحمن عنده فضلا علينا . لعمر الله ما جعل الله ذلك لهم علينا ، كما لم يجعله لأولادهم على أولادنا . أما والله لئن عمر لم يمت لاذ كرته ما أتى إلينا قديما ، ولا علمته سوء رأيه فينا ، وما أتى إلينا حديثا ، ولئن مات - وليموتن - ليجتمعن هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الامر عنا ، ولئن فعلوها - وليفعلن - ليرونني حيث يكرهون ، والله ما بي رغبة في السلطان ، ولا حب الدنيا ، ولكن لاظهار العدل ، والقيام بالكتاب والسنة . قال : ثم التفت فرآني وراءه فعرفت أنه قد ساءه ذلك ، فقلت : لا ترع أبا حسن ! لا والله لا يستمع أحد الذي سمعت منك في الدنيا ما اصطحبنا فيها ، فوالله ما سمعه منى مخلوق حتى قبض الله عليا إلى رحمته . قال عوانة : فحدثنا إسماعيل ، قال : حدثني الشعبي ، قال : فلما مات عمر ، وأدرج في أكفانه ، ثم وضع ليصلي عليه ، تقدم علي بن أبي طالب ، فقام عند رأسه ، وتقدم عثمان فقام عند رجليه ، فقال علي عليه السلام : هكذا ينبغي أن تكون الصلاة ، فقال عثمان : بل هكذا ، فقال عبد الرحمن : ما أسرع ما اختلفتم ! يا صهيب ، صل على عمر كما رضى أن تصلى بهم المكتوبة ، فتقدم صهيب فصلى على عمر . قال الشعبي : وأدخل أهل الشورى دارا ، فأقبلوا يتجادلون عليها ، وكلهم بها ضنين ، وعليها حريص ، إما لدنيا وإما لآخرة ، فلما طال ذلك قال عبد الرحمن : من رجل منكم يخرج نفسه عن هذا الامر ، وختار لهذه الأمة رجلا منكم ، فإني طيبة نفسي أن أخرج منها ، وأختار لكم ؟ قالوا : قد رضينا ، إلا علي بن أبي طالب فإنه اتهمه وقال : أنظر وأرى فأقبل أبو طلحة عليه ، وقال : يا أبا الحسن ، ارض برأي عبد الرحمن ، كان الامر لك أو لغيرك . فقال على : أعطني يا عبد الرحمن موثقا من الله لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى ،