ابن أبي الحديد

45

شرح نهج البلاغة

لي على كل حال أطوع من الشعر ، وكيف يريد هذا وهو كلام فاسد مختل ! بل مراده أن الغنى لي بشرط أن تلحظ مطالبي من الشعر أطوع لي ! إلا في مديحك ، فإن الشعر في مديحك أطوع لي منه ، وإذا كانت الفائدة معلقة بالشرط المذكور لم يكن اعتراضا . وكذلك وهم ابن الأثير ( 1 ) أيضا في قول امرئ القيس : فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال ( 2 ) ولكنما أسعى لمجد مؤثل * وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي فقال : إن قوله : " ولم أطلب " اعتراض ، وليس بصحيح ، لان فائدة البيت مرتبطة به ، وتقديره : لو سعيت لان آكل وأشرب لكفاني القليل ، ولم أطلب الملك ، فكيف يكون قوله : ولم أطلب الملك اعتراضا ، ومن شأن الاعتراض أن يكون فضلة ترد لتحسين وتكملة ، وليست فائدته أصلية ! وقد يأتي الاعتراض ولا فائدة فيه ، وهو غير مستحسن ، نحو قول النابغة : يقول رجال يجهلون خليقتي * لعل زيادا - لا أبالك - غافل ( 3 ) فقوله : " لا أبالك " ، اعتراض لا معنى تحته هاهنا ، ومثله قول زهير : سئمت تكاليف الحياة ومن يعش * ثمانين حولا - لا أبالك - يسأم ( 4 ) فإن جاءت " لا أبالك " تعطى معنى يليق بالموضع فهي اعتراض جيد ، نحو قول أبى تمام : * عتابك عنى - لا أبالك - واقصد * فإنه أراد زجرها وذمها لما أسرفت في عتابه .

--> ( 1 ) المثل السائر 2 : 186 . ( 2 ) ديوانه 39 . ( 3 ) ديوانه 61 . ( 4 ) ديوانه 29 .